المزاد
كادت ياسمين أن تواصل طريقها، فقد كانت تحمل اختبارات لتصحيحها وبالكاد تملك نقوداً لعودتها إلى المنزل. ومع ذلك، توقفت.
أخذت الفتاة إلى مطعم شعبي، واشترت لها حساءً دافئاً، وانتظرت حتى تجرأت على الكلام. كانت ريهام قد هربت من منزل زوج والدتها بسبب التعنيف، وكانت تنوي ركوب أول حافلة والاختفاء.
اتصلت ياسمين بمرشدة اجتماعية تثق بها وظلت معها حتى الثانية صباحاً. بعد ذلك، زارتها عدة مرات في دار الرعاية، وأحضرت لها الكتب وساعدتها في التقديم على منحة دراسية.
تبادلتا الرسائل لعدة سنوات، ثم تزوجت ياسمين وغيرت مسكنها وانقطع الاتصال بينهما.
سألت ياسمين بنبرة متهدجة:
— «وماذا حدث لها بعد ذلك؟»
ابتسم سليمان بحزن:
— «أكملت ريهام دراستها، وتخرجت في كلية الحقوق وتخصصت في الدفاع عن القاصرات اللاتي ينشأن في دور الرعاية. أسست “مؤسسة الجسر الآمن”، وهي منظمة تضم ملاجئ ومنحاً دراسية ومحامين بالمجان في ثماني محافظات.»
نظرت ياسمين إلى الصورة مجدداً:
— «لست أنا من صنع كل هذا.»
— «بل أنتِ من جعلها تؤمن بأن هذا ممكن.»
تنهد سليمان بعمق:
— «توفيت ريهام بالسرطان قبل ثمانية أشهر. وقبل وفاتها، أوصتني بالبحث عن المعلمة التي جلست معها في تلك الليلة.»
أخرج مغلفاً وقدمه لها. قرأت ياسمين الرسالة هناك:
”عزيزتي ياسمين،
ربما كانت تلك الليلة بالنسبة لكِ مجرد عشاء وساعات ضائعة. بالنسبة لي كانت دليلاً على وجود أشخاص طيبين في هذا العالم. عندما لم يرغب أحد في الاستماع لي، صدقتِني دون أن تطلبي أدلة.
كل ما بنيته ولد من فوق تلك الطاولة.
لا أريد مكافأتكِ، فالخير لا يُشترى. أريد فقط أن أعيد لكِ الفرصة التي منحتِني إياها: فرصة أن تقرري ماذا تفعلين بحياةٍ اعتبرها الآخرون بلا قيمة.”
برفقة الرسالة، كانت هناك وثائق قانونية تفيد بأن ريهام تركت لياسمين مقعداً دائماً في مجلس إدارة المؤسسة، وصلاحية إدارة جزء رئيسي من برامجها، بالإضافة إلى صندوق مالي بقيمة أربعين مليون دينار للمشاريع التي تراها ياسمين مناسبة.
كانت القيمة ذاتها التي عرضها سليمان في المزاد.
أوضح سليمان:
— «لم أكن أشترط امتلاككِ، بل كنت أظهر فقط حجم الأمانة التي تركتها ريهام بين يديكِ.»
بكت ياسمين بصمت. لم تبكِ حين نعتها زوجها بالعديمة أمام ثلاثمئة مدعو، بل بكت الآن لأن فتاة رافقتها لبضع ساعات، حفظت اسمها طوال حياتها.