المزاد
بينما كانت ياسمين تكتشف قصة ريهام، بدأ المحقق الذي استأجره ماجد بالبحث في ماضيها.
لم يجد عشاقاً.
بل وجد تلامذة قدامى يتذكرون الوجبات الخفيفة التي كانت تخبئها لمن يأتون جائعين. ووجد أرملة كانت ياسمين ترافقها كل ثلاثاء لعامين كاملين. وعثر على ثلاثة شباب من دور الرعاية أكدوا أنها حضرت حفل تخرجهم لأنه لم يكن هناك من يحضر معهم.
كانت كلها أعمالاً صغيرة، خفية وبلا صور.
قرأ ماجد التقرير كاملاً. واكتشف أنه عاش قرابة ثلاثة عقود بجانب امرأة لم يكلف نفسه عناء التعرف عليها حقاً.
وقبل أن يستوعب الأمر، قام شخص بنشر مقطع فيديو المزاد على الإنترنت. وخلال أربعة أيام، حصد ملايين المشاهدات.
لم تكن التعليقات تراه مزاحاً، بل تحدثت عن القسوة والتعنيف والامتهان الأسري. ألغى راعيان رسميان عقودهما مع شركة ماجد، واجتمع مجلس الإدارة بشكل طارئ، وطالب العملاء بتوضيحات.
عاد ماجد إلى المنزل يحمل عرضاً من قناة تلفزيونية:
— «يريدون استضافتنا معاً» — قال بلهفة — «نحتاج فقط أن نخبرهم أن الأمر كان مزاحاً متفقاً عليه بيننا.»
— «لم يكن مزاحاً بيننا. بل إهانتك لي وحدي.»
— «ياسمين، قد أخسر شركتي!»
— «وأنا خسرت سبعاً وعشرين سنة وأنا أتحمل إهاناتك لأحمي صورتك أمام الناس.»
— «كل ما عليكِ فعله هو الابتسام أمام الكاميرات.»
نظرت إليه بهدوء أرعبه:
— «لن أكذب مجدداً لأجعلك تبدو رجلاً صالحاً.»
بعد أيام، اصطحب سليمان ياسمين إلى أحد مراكز “الجسر الآمن” في حي شعبي قديم. هناك التقت بـ “مريم”، وهي شابة هربت من زوجها المعنف برفقة طفليها، وظلت تنام لأسابيع في محطات الحافلات والسيارات لعدم وجود مأوى.
لم تبدأ ياسمين بطرح الأسئلة؛ بل جلست بجوارها وقدمت الطعام للأطفال. استغرقت مريم ساعة لتطمئن وتبوح بقصتها. وعندما انتهت، استخدمت ياسمين جزءاً من الصندوق المالي لدفع إيجار شقة لها لستة أشهر، وساعدتها على العودة لإنهاء دراسة التمريض التي اضطرت لتركها سابقاً.
قالت مريم والدموع في عينيها:
— «لا أعرف كيف أشكركِ.»
— «أنهي دراستكِ أولاً.. ثم ساعدي امرأة أخرى تحتاجكِ.»
أحدث العمل الإنساني تحولاً جذرياً في شخصية ياسمين. لم تعد ترتب تفاصيل يومها بناءً على مواعيد ورغبات ماجد. تعلمت مراجعة الميزانيات، ومناقشة القانونيين، والتحدث بثقة أمام الجهات الرسمية. واقترحت فتح مراكز إيواء ليلية قريبة من محطات السفر، تحديداً في الأماكن التي تذكرها بـ ريهام.