المزاد

​بعد مرور عام، افتتحت مؤسسة “الجسر الآمن” مركزين جديدين، وبدأت مريم العمل رسمياً في عيادة للأطفال، واستقرت ياسمين في شقة دافئة وخاصة بها، حيث كانت كل قطعة أثاث فيها من اختيارها الحر والكامل.

​وفي صباح يوم مشمس من أيام الخريف، رافقها سليمان لزيارة قبر الراحلة ريهام. وضعت ياسمين باقة من الزهور ورسالة صغيرة بجانب الشاهد وقالت:

— «كانت تظن أنني أنقذت حياتها في تلك الليلة.. لكن الحقيقة هي أنها عادت من الغيب لتنقذ حياتي أنا.»

​أثناء خروجهما من المقبرة، لفت انتباه ياسمين فتاة صغيرة تجلس وحيدة قرب البوابة، لعلها في الثامنة عشرة من عمرها، وبجوارها حقيبة ظهر بسيطة. كانت تنظر للمارين بريبة وخوف كمن اعتاد الأذى.

​عرفت ياسمين تلك النظرة جيداً.

​اقتربت منها ببطء، وجلست على مسافة مريحة تضمن لها الأمان وقالت بصوت هادئ ومطمئن:

— «لا داعي لتبوحي لي بأي شيء الآن.. لكني أعرف مكاناً آمناً يمكنكِ أن تتناولي فيه طعاماً دافئاً وترتاحي قليلاً.»

​رفعت الفتاة عينيها المجهدتين وسألتها بتردد:

— «ولماذا تريدين مساعدتي؟»

​تذكرت ياسمين المحطة القديمة، المطر، رسالة ريهام الدافئة، وصوت ماجد وهو يعرض قيمتها بخسة خلف الميكروفون.. وابتسمت برفق وقالت:

— «لأنني تعلمت منذ زمن طويل.. أن لا أحد في هذا العالم يجب عليه إثبات قيمته قبل أن ينال الأمان والمساعدة.»

​ترددت الفتاة لثوانٍ، ثم حزمت أمرها وحملت حقيبتها. فتح سليمان الباب بوقار، ومشيت ياسمين بجوار الفتاة دون أسئلة، ودون انتظار للثناء أو الشهرة.

​لقد أدركت أخيراً أن هناك من يتسلقون المنابر والمسارح ليحددوا رخص وقيمة الآخرين، لكن الحياة في النهاية تملك ميزانها العادل والخاص. والخير والرحمة، حتى وإن طال غيابهما، يظلان دوماً أثمن بكثير مما يمكن للجاهلين تقديره أو دفع ثمنه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *