مش هتبقي مراتي- محمد نور

«هتطبخي.. مش هتبقي مراتي».. قال لها راجل الجبل، لحد ما أنقذت له المزرعة اللي كانت بتموت من الجوع

 

العاصفة الثلجية ابتلعت جابر المهدي بعد أقل من عشرين دقيقة من خروجه من البيت.

 

ولما مريم عبد الرحيم قدرت أخيرًا تشق طريقها وسط البياض الكثيف ووصلت للحظيرة، سمعت صوت راجل بيتوجع من جوه.

 

قبلها بتلات أسابيع، كان جابر بصّ لعروسته اللي جت له بالجواز، وقرر إنها آخر ست في الدنيا ممكن تنقذ أي حاجة.

 

كانت مريم وصلت لمحطة القطر وهي شايلة شنطة سفر قديمة ومهترية، ومعاها عشر جنيهات بس.

 

أول ما جابر شاف جسمها الممتلئ، الأمل اختفى من على وشه.

 

— إنتِ مريم؟

 

ردت بهدوء:

 

— أنا بحب يتقال لي مريم.

 

عينيه اتحركت على جسمها العريض ودراعاتها الممتلئة.

 

— إنتِ كذبتي عليّا.

 

اتشد جسم مريم.

 

— أنا قلت لك إني بعرف أشتغل.

 

— وأنا محتاج واحدة تعرف تركب، وتصلّح السور، وتشيل الميه، وتستحمل شتا الجبل. مش واحدة هتفضل تاكل لحد ما تخلص كل اللي في البيت.

 

الكلمة جرحت مريم لدرجة إنها حسّت إنها اتكسرت من جواها.

 

لكن ما كانش عندها مكان تاني تروحه.

 

وطول الطريق في العربية اللي كانت واخداهم ناحية مزرعة المهدي، جابر وضّح لها شكل العلاقة بينهم.

 

— هتطبخي.

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

 

— وهتنضفي، وهتفضلي بعيدة عن طريقي.

 

وبص للطريق المتجمد قدامه.

 

— بس مش هتبقي مراتي. أول ما الربيع ييجي، هتمشي.

 

وبعدها مريم شافت المزرعة.

 

أسوار متهالكة كانت محاوطة الأرض، والماشية واقفة جوه الحظيرة لدرجة إن ضلوعها كانت باينة تحت جلدها.

 

البيت كان تلج من جوه، والمخزن ما كانش فيه غير شوية دقيق مليان سوس، وبطاطس ذابلة، وفاصوليا، وحتة صغيرة من اللحمة المملحة.

 

جابر ما كانش بس بيعاني.

 

ده كان على وشك يخسر كل حاجة.

 

وفي الحقيقة، هو وماشيته كانوا بيموتوا من الجوع.

 

في أول ليلة، مريم نضفت الدقيق على قد ما قدرت، وسلقت الفاصوليا، وحطت فيها آخر حتة لحمة موجودة، وخبزت عيش بالمرمية.

 

جابر أكل طبقين في صمت.

 

خلال التلات أسابيع اللي بعدها، مريم اشتغلت جنبه من غير ما تشتكي.

 

كانت تشيل الحطب، وتجيب الميه، وتصلّح أي حاجة تقدر عليها، وتحمي الفراخ، وتشتغل لحد ما إيديها نشفت واتشققت من البرد والشغل.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *