اختي أخفت باروكتي- محمد نور
فنظرت إليّ وكأنني نطقت ببدعة لا تُغتفر:
“سأذهب لإحضار مدير الفندق.. لا أحد يتحرك من مكانه!”
رفعت طرف فستانها الأزرق الملكي وأسرعت خارجة من الجناح، ليعود الهدوء ويُغلق الباب خلفها.
وفجأة.. خردت ضحكة خفيفة من خلف خزانة الملابس الأثرية.
طلّت “سارة”..
كانت تبدو كالملاك بفستانها الذهبي، وحُمرتها الوردية، وتلك الابتسامة اللطيفة التي يمكنها أن تخفي وراءها قسوة لا تُتخيل.
قالت ببرود: “أنا من أخذتها.”
تجمد الهواء في الغرفة.
“ماذا فعلتِ؟”
“خبأت باروكتكِ يا أميرة.. ولن تجديها أبداً.”
خطوت نحوها خطوة، لكن ساقي شعرتا بثقل غريب.
“سارة.. إنه يوم زفافي!”
صرخت في وجهي: “بالضبط! زفافكِ من فيصل آل ناصر! هل صدقتِ حقاً أنكِ تنتمين لتلك العائلة؟”
أمسكت ذراعي وسحبتني بقوة أمام المرآة الطويلة.
تطلعتُ إلى انعكاسي..
رأسي العاري..
بشرتي الشاحبة..
الآثار الخفيفة التي تركتها غرز الإبر لا تحصى..
وفستان الزفاف الأبيض الذي يلتف بجمال حول جسد قاتل بضراوة ليبقى على قيد الحياة.
مالت “سارة” نحو أذني ولهمست بقسوة:
“هو يشعر بالشفقة تجاهكِ فقط.. الجميع يعلم ذلك. فيصل وسيم، نافذ، وثرِي.. وأنتِ لستِ سوى مشروعه الخيري الحزين! عروس صلعاء بجانب عريس أسطوري.. لو خرجتِ للناس هكذا، سيعتقد الجميع أنه تزوج امرأة مريضة بدافع الرحمة!”
تلك الكلمة الأخيرة.. **الشفقة**..
كانت أشد إيلاماً من كل إهانة وجهتها لي في حياتها.
على مدار أشهر، كانت تتستر وراء مزاحها السام: *”تبدين مرهقة”*، *”لا تقفي قريبة جداً في الصور”*، *”فيصل لديه عقدة المنقذ”*. وفي كل مرة كانت تسخر مني، كانت أمي إما تضحك، أو تغير الموضوع، أو تخبرني بأنني حساسة أكثر من اللازم.
دفعتني سارة خفيفاً نحو الباب وقالت:
“هيّا اطلعي.. الموسيقى بدأت بالفعل. اخرجي ودعي الجميع يرحمونكِ.. أو ابقي هنا واعترفي أنني كنت سأكون الزوجة الأنسب لفيصل!”
وفجأة.. هدأ كل شيء بداخلي.
لم يكن غضباً.. فالغضب يحرق.
كان شيئاً آخر.. بارداً.. وحاسماً.
نفْس اليقين الهادئ الذي شعرتُ به اليوم الذي أخبرني فيه طبيب الأورام أن الورم بدأ ينكمش أخيراً.
سحبتُ ذراعي من قبضتها ببطء:
“أنا لستُ مشروع شفقة لأحد.”
ابتسمت بثقة: “إذن أثبتي ذلك!”
مشيتُ بخطوات ثابتة نحو طاولة الزينة.
كانت أمي قد أصرت على أن أضع أحمر شفاه باهتاً لأن “العروس المتعافية من السرطان لا ينبغي أن تلفت الأنظار”.