ثمن الغربة – محمد نور
انهارت شبكة الكذب المعقدة فوراً أمام المجتمع بأكمله.
في اليوم الرابع، حزمت أمي وشهد أمتعتهما بهدوء وانتقلتا إلى غرفة صغيرة مستأجرة بالقرب من محطة الحافلات. أخذتا ملابسهما، وأوراقهما الثبوتية، ومجوهراتهما الشخصية، فلم تكن لدي أي رغبة في التصرف بِنفس القسوة التي أظهرتاها.
توقفت حياتهما المترفة فجأة؛ وسرعان ما اكتشفت شهد أن طارق لم يكن الشريك المخلص الذي يتظاهر به، فقد ألغى الزفاف فوراً عندما أدرك أنه لن يكون هناك بيت فاخر، ولا مركز تجميل خاص، ولا ثروة بنكية ملحقة باسمها!
وعندما اتهمته شهد بغضب بأنه يتعقب أموالها، رد عليها طارق بحزم بأنها هي من خدعته وزيفت ثروة عائلتها منذ البداية.
#### **الجزء الرابع والأخير**
حاولت أمي الوصول إلى الحسابات الاستثمارية في البنك، لكن موظفي البنك والاستشاريين القانونيين ذكروا صراحة بأنها تنازلت عن تلك الأصول بكامل إرادتها المطلقة قانونياً.
ومع ذلك، لم تكن عقوبتهما الأشد هي مجرد خسارة الأموال، بل إجبارهما على عيش واقع لا يلبي فيه أحد مطالبهما الأنانية. أُجبرت أمي على العمل في تحضير الوجبات المطهوة بالعمولة، بينما اضطرت شهد للعمل لساعات طويلة كموظفة استقبال في صالون تجميل محلي، لِتتعلما أخيراً مدى صعوبة كسب الأموال التي كانتا تتلفانها سابقاً بلا مبالاة.
في هذه الأثناء، كانت مريم تخوض معركتها الخاصة والحرجة من أجل البقاء.
على مدار عشرة أيام متواصلة في المستشفى، تلقت المحاليل الوريدية المستمرة، والمكملات الغذائية، والرعاية المتخصصة. كنتُ أجلس بجانب سريرها كل يوم، رغم أنها كانت تستجيب بذعر ونشيج كلما لمست الممرضة ذراعها برفق.
كانت الصدمة العاطفية عميقة جداً؛ فقد أُجبرت على طلب الإذن لمجرد تناول الطعام، أو النوم، أو استخدام الهاتف.
في إحدى الليالي الهادئة، نظرت إليّ بعينين دامعتين وسألتني بصوت خفيض: «هل أنت حقاً لست غاضباً مني لأنني أخفيتُ مرضي عنك كل هذه المدة؟»
غمرني شعور جارف بالخزي، وأجبتها وأنا أُمسك بيديها: «أنا من يجب أن يطلب منكِ المغفرة والسماح… لقد تركتكِ وحدكِ لسنوات، واقتنعتُ ببلاهة بالكذبات المريحة لأنه كان من الأسهل عليّ تصديق أن كل شيء بخير في الوطن».
اعترفت مريم بصوت متقطع: «قالت لي أمك إنني إذا اتصلتُ بك ستترك عملك وتعود، وسيكون الخراب وضياع البيت خطئي بالكامل».