ثمن الغربة – محمد نور

قالت بصوت خفيض: « لستُ هنا لأطلب استعادة البيت أو المال… جئتُ فقط لأسأل عما إذا كانت مريم بخير».

أجبتها بجمود: «إنها تتعافى بشكل ممتاز».

بدأت أمي تبكي بدموع الندم الشديد وقالت: «أقنعتُ نفسي بأن أموالك التي كسبتها بعرق جبينك هي حق لي لمجرد أنني ربيتك… ثم اعتقدتُ أن شهد تستحق دعماً إضافياً لأنها الأصغر، وعندما مرضت مريم، كنتُ مرعوبة من إنفاق المال وخسارة ما اعتبرته ملكي، مما جعل كل قرار سيئ أسهل من الذي قبله».

لم أمنحها عناقاً، ولم أصرخ في وجهها.

قلتُ لها بهدوء: «اعترافكِ بجشعكِ لا يمحو الضرر الجسيم الذي تسببتِ به».

همست بألم: «أعلم… هل تعتقد أنها ستجد في قلبها يوماً ما القدرة على مسامحتي؟»

أجبتها: «هذا خيارها هي بالكامل، وليس خياري».

وافقت مريم على قراءة رسالة رسمية كتبتها أمي، لكنها رفضت لقاءها شخصياً. في تلك الرسالة، لم تطلب أمي أي أموال أو عقارات، واعترفت بالكامل بحملة الترهيب والعزل والإساءة التي مارستها، وكانت تلك المرة الأولى التي تعترف فيها بمرض مريم دون أن تصفه بالكذب.

أما شهد فقد استغرقت وقتاً أطول بكثير لمراجعة أفعالها، وظلت لشهور تدّعي أنها ضحية خيانة عائلية. ولم تدرك قسوة السخرية من امرأة تحتضر إلا بعد أن عملت لنوبات طويلة إلى جانب زميلة لها باعت هاتفها الشخصي لتوفير علاج طفلها.

في النهاية، أرسلت رسالة نصية قصيرة إلى مريم: «أنا آسفة جداً لأنني أطلقتُ عليكِ وصف العبء، بينما كنتُ أنا من يعيش بأنانية على عرق جاسم وجهده».

اختارت مريم عدم الرد على الرسالة، مدركةً أن المغفرة لا تتطلب فتح الأبواب مجدداً للأشخاص الذين دمروا شعورك بالأمان؛ فالشفاء الحقيقي يبدأ بوضع حدود آمنة لا تُخترق أبداً.

بعد عام كامل من عودتي، أكملت مريم جولتها الأخيرة من علاج السرطان، وأكد طبيب الأورام رسمياً خلو جسدها تماماً من أي أثر للمرض.

في صباح مشرق، وأمام مرآة غرفة النوم، نزعت غطاء رأسها برفق. كانت طبقة ناعمة من الشعر الداكن الصحي تنمو مجدداً على فروة رأسها.

مررت أصابعها بين شعرها وابتسمت بإشراق أظهر غمازتيها الجميلتين، وقالت ببهجة خافتة: «انظر يا جاسم… إنه ينمو أخيراً».

احتضنتُها من الخلف وشُددتُ عليها بقدسية وحب، وهمستُ لها: «دعِيه ينمو كما يشاء… لن يجعلكِ أحد تشعرين بالخزي أو الاختباء بعد اليوم أبداً».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *