وقفت امي أمام القاضي-محمد نور
*إنها مدعية… لقد ظلت تكذب لسنوات.*
أسفل سترتي، كان أثر الندبة الطويلة امتداداً على أضلاعي ينبض بألم لن أنساه ما حييت.
وللحظة خاطفة…
لاشت قاعة المحكمة من أمامي.
سمعتُ صليل شفرات المروحيات وهي تشق ظلام الليل…
واستنشقتُ رائحة الدخان والمعدن المحترق…
وكان الدم يغمر زِيّي العسكري.
تذكرتُ كيف سحبني القائد **محمود السعدي** وسط أنقاض الخرسانة والحيّط المنهارة بينما كان رصاص الأعداء ينهال علينا من كل صوب.
كل ندبة في جسدي نلتُها بشرف… وكل وسام يحمل في طياته ذكراً لن تمحى.
لكنني لم أكن أستطيع شرح أي من ذلك.
فالمهمة لا تزال تصنف تحت بند “سرّي للغاية”، وسجلي العسكري ممهور بالختم الأسود لحماية الأمن القومي.
وكان زياد يدرك ذلك تماماً؛ ولهذا السبب بالذات بنى قضايانا كلها على معلومات يُحظر عليَّ قانوناً الفصح عنها.
لم تكن الحقيقة تملك حجة للدفاع عني… ليس بعد.
قبل أن يخطف السرطان أنفاس والدي الأخيرة، شدّ على يدي بقوة ما تبقى لديه من رمق، وهمس:
“إنهم يهربون الأموال عبر شركات وهمية… احمي الشركة… ولكن لا تكشفي أمر وحدتكِ العسكرية.”
أجبته: “أعدك بذلك.”
ولم أخلف وعدي قط.
وقف محامي والدي الراحل ومواجهًا أمي:
“سيدة سعاد، هل سبق لبنتك أن خدمت في القوات المسلحة خارج البلاد؟”
“لا.”
“هل خدمت في الجيش يوماً واحداً؟”
“ولا حتى يوماً واحداً.”
ثم التفتت ونظرت إليّ مباشرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة نصر بطيئة.
كانت تعتقد أنها حاصرتني في زاوية لا مخرج منها.
أطرتُ رأسي قليلاً، وكتفتُ يديّ على طاولة الدفاع، ثم ألقيتُ نظرة خاطفة على ساعة القاعة.
**الساعة 11:47 صباحاً.**
لم تتسارع نبضات قلبي إطلاقاً.
لاحظ محاميّ هدوئي المريب فدمدم: “سارة… علامَ تنتظرين؟”
ودون أن أزيح بصري عن عقارب الساعة، أجبتُ بصوت هادئ ومستقر:
“الإذن.”
قَطَب حاجبيه مستغرباً: “إذن بخصوص ماذا؟”
لاحت على شفتي ابتسامة خفيفة وأنا أردف:
“بعد ثلاث عشرة دقيقة… ستُرفع السرية عن السجلات التي ظلت مجمدة لسنوات، وتصبح متاحة للعلن.”
وفي تلك اللحظة بالذات…
بدأت أبواب القاعة الثقيلة تتفتح ببطء.
التفتت كل الرؤوس نحو المدخل.
وكل ما ظنّت عائلتي أنها دفنته تحت التراب… كان على وشك أن يخطو داخل القاعة.
### الجزء الثاني — انغلاق الدوائر وفتح الأبواب