وقفت امي أمام القاضي-محمد نور

فُتحت أبواب المحكمة في تمام الظهيرة… ليس بإنذارٍ درامي، بل بحفيف الخشب العتيق ووقعات أقدام ثابتة لأشخاص يعرفون قيمة القانون والدقة أكثر من المظاهر.

التفتت كل الرؤوس.

تلاشت ابتسامة أمي أولاً… ثم تبعتها ابتسامة زياد.

دَخَل ثلاثة أشخاص: امرأة ترتدي بذلة كحليّة وتحمل مظروفاً حكومياً مختوماً بالختم الأحمر، وعقيد شائب الشعر بزيه العسكري الرسمي، وخلفهما—يتوكأ على عصا وينظر بنظرته الثابتة ذاتها—كان القائد **محمود السعدي**.

لثانية واحدة، نسيتُ كيف أتأثث بالهواء وأتنفس.

محمود على قيد الحياة!

كانت آخر مرة رأيته فيها مسطّحاً على نقالة تحت أضواء طوارئ ساطعة، يطلب مني أن أظل مستيقظة بينما كان الأطباء يحاولون إنقاذنا معاً. بعد ذلك، اختفت سجلاته خلف الجدار السري ذاته الذي حجب سجلاتي. كتبتُ رسائل لم أرسلها قط، وبحثتُ في قواعد بيانات لم تمنحني شيئاً.

والآن يقف هنا في قاعة المحكمة، أسنّ وأكثر نحولاً، لكنه حقيقي أمام عيني.

وقف محاميّ **مراد** ببطء.

قالت المرأة ذات البذلة الكحلية: “سيادة القاضي، اسمي **كارولين**، ممثلة وزارة الدفاع. نطلب الإذن بالاقتراب من المنصة.”

بدا القاضي متفاجئاً لكنه ظل ممسكاً بزمام الأمور: “في أي شأن؟”

“في شأن إثبات صحة الخدمة العسكرية للنقيب **سارة الفارس**، وقبول السجلات التي رُفعت عنها السرية حديثاً.”

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

سرت همهمة عارمة في قاعة الحضور.

اعتدل الصحفيون في جلستهم.

ومال أعضاء هيئة المحلفين إلى الأمام.

ظلت أمي متجمدة في مقعد الشهود.

همس زياد لمحاميه، لكن المحامي اكتفى بهز رأسه، وعيناه مسمرتان على المظروف المختوم.

نظر إليّ مراد، وعلى وجهه صدمةٌ وارتياحٌ وسؤالٌ واحدٌ صامت.

أومأتُ له برأسي.

*نعم… هذا ما كنتُ أنتظره.*

### الجزء الثالث — رفع السرية

كانت قاعة المحكمة هادئة لدرجة أنك تستطيع سماع أزيز أجهزة التكييف.

خطت ممثلة وزارة الدفاع نحو منصة القاضي، ووضعت ملفاً ضخماً أصفر اللون ممهوراً بأختام حمراء رسمية.

وقالت بصوت جليّ يتردد في القاعة بثبات: “سيادة القاضي، أقرت وزارة الدفاع رسمياً المرسوم التنفيذي. وبناءً عليه، فإن جميع سجلات العمليات، وملفات التقدير، والتقييمات الطبية، وتقارير المعارك السرية الخاصة بالنقيب **سارة الفارس** والقائد **محمود السعدي** قد رُفعت عنها السرية وأصبحت وثائق رسمية متاحة للعلن.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *