وقفت امي أمام القاضي-محمد نور
انخفض رأس المدعي العام ينظر إلى ملاحظاته، واختفت الألوان من وجهه. فتح فمه لكن لم تخرج منه كلمة. نظر عبر الممر إلى زياد، الذي كان يمسك بطاولة الدفاع بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.
تمتم زياد بصوت عالٍ التقطته الميكروفونات: “هذا مستحيل! لقد اشتروا هذه الوثائق… إنها مزورة، كل ما تملكه مزور!”
افتتح القاضي—وهو رجل حاد اللحظ قضى عقوداً في القضاء الفيدرالي—الملف ببطء. تجاوز خطابات وزارة الدفاع الرسمية والأختام الفيدرالية الحمراء، ليصل إلى تقارير المهمة المؤرخة قبل ثماني سنوات في المناطق الحدودية.
قرأ الصفحة الأولى في صمت تام… ثم الصفحة الثانية.
وعندما رفع عينيه أخيراً، تجاوز المدعي العام تماماً، ونظر مباشرة إلى أمي **سعاد**، التي كانت لا تزال تجلس متجمدة في صندوق الشهود.
قال القاضي بصوت انخفض نبرة ليصبح آمراً يفرض الطاعة المطلقة: “سيدة سعاد، لقد شهدتِ تحت القسم قبل أقل من عشر دقائق بأن ابنتكِ لم تخدم يوماً في القوات المسلحة، ولم تُنتدب للخارج، وأنها اختلقت كل ندبة ووسام تملكه.”
ابتلعت سعاد ريقها بصعوبة. انفرجت شفتاها لكن صوتها خذلها. أدارت عينها نحو زياد وكأنها تبحث عن طوق نجاة، لكن زياد كان يحدق بذهول في الأرض.
تعلثمت سعاد بصوت مرتجف: “لقد… لقد أخطأت. كان مجرد سوء فهم للتواريخ! كانت بعيدة بسبب الدراسة، و… وفقدنا التواصل—”
قاطعها القاضي بنبرة حازمة: “شهادة الزور أمام المحكمة ليست ‘سوء فهم’ يا سيدة سعاد.” ثم التفت إلى ممثلة وزارة الدفاع: “يمكنكِ استدعاء شاهدكِ الأول.”
أومأت كارولين برأسها والتفتت نحو القاعة: “تستدعي وزارة الدفاع القائد **محمود السعدي**.”
ارتفعت الهمهمة في القاعة مجدداً وبشكل أشد.
وقف محمود من على البنكت الخشبي. كان يمشي يعرج قليلاً متكئاً على عصاه، لكن كتفيه كانتا مشدودتين بكبرياء في زيه العسكري الرسمي. كانت الأوسمة تزيّن صدره—بما في ذلك وسام الشجاعة الذي حاز عليه معي، ووسام الجرحى الذي يحمله بوقار صامت.
مرّ بجانب زياد وأمي دون حتى أن يمنحهما نظرة واحدة. صعد إلى منصة الشهود، ووضع يده على المصحف، وأدى القسم بصوت قوي كأنما صُنع من حديد.
### الجزء الرابع — الشهادة
“القائد محمود، لغايات التوثيق في المحضر، يُرجى ذكر اسمك، ورتبتك، وعلاقتك بالنقيب سارة الفارس.”