ثلاث بنات – محمد نور
ورغم أن فوزية لم تجنِ مالاً، إلا أن مسؤوليتها الأخلاقية لم تزل. جردها زياد من أي سلطة لإصدار القرارات الخاصة بالتعليم أو العلاج، واقتصرت رؤيتها لأحفادها على زيارات محددة وبعد خضوعها لجلسات علاج نفسي للتعامل مع الحزن.
قال لها:
—«أنا لا أحرمكِ من أحفادك.. بل أمنعكِ من الخلط مجدداً بين الحب والسيطرة».
وقبل مغادرتها، اقتربت فوزية من مريم وقالت:
—«عاملتكِ وكأن عاطفتكِ تهديد لنا».
فردت مريم:
—«التهديد الحقيقي كان ظنكم أن المال يمنحكم حق تحديد من يحق له أن يُسمع».
في الصباح التالي، وضعت مريم حقائبها للمغادرة؛ فبالرغم من أن الفصل كان مزوراً، إلا أنها لم تكن ترغب بالبقاء تحت رحمة توقيع قد يمحوها بلمحة عين. لكن زياد اعترض طريقها في البهو، ووضع عقداً جديداً على الطاولة: راتب مجزٍ، وتأمين صحي، وإجازات مدفوعة، ومشاركة حقيقية في القرارات التربوية.
وقال لها:
—«لا أطلب منكِ أخذ مكان ليلى.. بل أطلب منكِ الاستمرار في رؤية أبنائي كـ 3 أفراد مستقلين، في وقت لا يرى الجميع فيه سوى “التوأم الثلاثي”».
اشترطت مريم تخصيص وقت لزيارة والدتها في قريتها، وحضور مناسبات عائلتها، ورفض أي منهج علاجي لا يتسم بالشفافية، فوافق زياد دون تردد.
بل إنه غير نمط حياته هو الآخر؛ فألغى السفريات غير الضرورية، وخصص أيام العطلات لأطفاله، وبدأ بدوره رحلة التعافي النفسي. في البداية، كان يجلس على الأرض معهم دون أن يدري كيف يتصرف: كان رائد يوجه له الأوامر، وراشد يفكك ألعابه، بينما يراقبه ركان من بعيد.
كانت مريم تتمتم له:
—«تمهل.. سيركض ركان إليك عندما يثق أنك لن تتركه وتغادر».
وهذا ما حدث بالفعل.
بعد أشهر، عادت فوزية محملة بصور ليلى ودفاترها. جلست بجوار أحفادها وأرتهم صورة لأمهم وهي صغيرة والتراب يملأ ملابسها، وقالت والدموع تنهمر من عينها:
—«كانت شقية جداً.. تفر إلى الحديقة فور أن أنتهي من غسل وجهها!».
ضحك الأطفال.. وشاركتهم الجدة الضحك لأول مرة.
وبعد مرور عام، أسس زياد مركزاً لدعم الأسر التي تعاني من فتيان يتامى ولتدريب المربيات. وتولت مريم إدارة الورش العملية فيه. وفي حفل الافتتاح، اعترف زياد أمام الجميع بأنه خلط لسنوات بين تأمين المعيشة وبين التواجد الحقيقي، وأن مربية مؤقتة كانت أعرف بأبنائه منه، وكادت عائلته تنتهك بسبب الكبر والتجاهل. وكانت الجدة فوزية تجلس في الصف الأول تصفق باعتزاز.