ابنة الخادمة الصماء- محمد نور

ثم عرضت “بثينة” التقارير الطبية الشرعية، وإيصالات التحويلات المالية للطبيب، وفيديوهات المطبخ، واعترافات “إلهام”. لم يجرؤ عضو واحد بعد ذلك على المطالبة بإقالته. خسر “رمزي” كل مناصبه، وتمت ملاحقة الطبيب قضائياً، وسنّت الشركة قوانين جديدة تمنع استخدام أي ظروف صحية كدليل تلقائي على عدم الأهلية.

بقي “طارق” في منصبه، لكن جزءاً من سمعه لم يعد أبداً؛ ففي الأماكن المزدحمة، كانت الأصوات تتحول إلى ضجيج معدني مزعج. لأسابيع طويلة، تجنب الحفلات واللقاءات، ينهكه الشعور بالعار لثقته بـ “إلهام”، وألم الخيانة من صديق والده.

كانت “ملاك” هي من أخرجته من عزلتها؛ ففي أحد الأيام، وضعت يدها على حافة السور القريب من المسبح لتشعر باهتزازات الماء، وأشارت له بأنها لا تحتاج لسماعه لتعرف أنه موجود. حينها فهم “طارق” أن فقدان الأصوات لا يعني فقدان العالم.

رفضت “سعاد” التعويض المالي وطلبت بدلاً منه دورات تدريبية في إدارة الضيافة والمنازل. تكفل “طارق” بتعليمها، ثم عينها براتب مجزٍ ومزايا وصلاحيات كاملة، وبعد عام تمت ترقيتها عن جدارة. أما “ملاك” فقد التحقت بمدرسة ثنائية اللغة لضعاف السمع، وأصبحت تتجول في القصر بمرادها ودون خوف.

استمرت المحاكمة 13 شهراً. ادعت “إلهام” أنها كانت تحب “طارق”، لكنه أدرك أنها كانت تحب السلطة التي ظنت أنها ستحققها من خلاله. وصدرت الأحكام بالسجن على “إلهام” و**”رمزي”** والطبيب.

بعد عامين، حول “طارق” جناحاً كاملاً من القصر إلى “مؤسسة فريدة للرعاية”، لتقديم الفحوصات السمعية، ودورات لغة الإشارة، والدعم القانوني لعائلات الأطفال الصم.

في يوم الافتتاح، قدمت له “ملاك” الكوب الأزرق القديم بعد أن رممته وأصلحت كسوره بلمسات ذهبية، ورسمت في قاع الكوب كفين متقاربين.

لمست الفتاة السماعة الطبية لـ “طارق” وسألته بلغة الإشارة عما إذا كان يستطيع سماعها.

جثا “طارق” على ركبتيه وأجابها ببراعة يديه: “سأسمعكِ إلى الأبد.”

وفي الخارج، كانت المدينة كعادتها مفعمة بالضجيج والصخب، لكن داخل تلك القاعة، كانت إيماءة هادئة من يد فتاة صغيرة تعني أبلغ وأعمق من كل كلام.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *