ثمن الرحيل – محمد نور
— إنه في الرابعة من عمره!
— أُدرك ذلك، ولهذا اختار حجراً أزرق… قال إنه يشبه البحر الذي التقينا عنده مجدداً.
لم يجثُ إبراهيم على ركبتيه، ولم يمد الخاتم نحوي، بل اكتفى بوضعه في راحة يده:
— لن أطلب منكِ الزواج اليوم.
— إذن ماذا تفعل؟
— أقول لكِ إنه عندما تكونين مستعدة، أود أن أبني حياة معكِ… ليس في قصري، ولا تحت شروط عائلتي… بل حياة تكون لنا نحن فقط.
— وماذا إن لم أكن مستعدة أبداً؟
تشنج وجهه، لكنه أومأ:
— سأظل الأب الذي كان يجدر بي أن أكونه منذ البداية.
— وماذا إن التقيتُ برجل آخر؟
أخذ وقتاً أطول ليجيب هذه المرة:
— سيؤلمني ذلك جداً… وسأكرهه على الأغلب… لكنني سأحترم قراركِ.
تأملته في صمت.
هذا الرجل لا يشبه إبراهيم الذي أمرني بإنجاب طفل مقابل المال.
لقد تعلم كيف يستأذن…
كيف يعتذر…
وكيف يبقى دون أن يطالب بالمقابل.
أخذتُ الخاتم:
— هذا لا يعني أنني وافقت.
— أعلم.
— ولن أكون معتمدة عليك مادياً بعد اليوم.
— المال حقكِ.
— سأستثمره في مشروعي الخاص.
— يمكنني مساعدتكِ.
— لا.
— مفهوم.
أسستُ جمعية خيرية لمساعدة أمهات الصغار في الحصول على التأهيل المهني، والسكن المؤقت، والدعم القانوني، وأسميتها “بداية جديدة”.
بالضبط ما كنتُ بحاجة إليه قبل سنوات.
لم يمول إبراهيم المشروع، لكنه كان حاضراً يوم الافتتاح، يجلس في الصف الأخير ويصفق بحرارة وكأنني غَزوتُ العالم.
بعد عام من فراقنا، عدنا مع الطفلين إلى شاطئ البحر.
كان عمر يبني قلعة من الرمل، وسارة التي بدأت تمشي تلاحق النوارس بينما يركض إبراهيم خلفها.
كنتُ أرتدي الخاتم الأزرق في سلسلة حول عنقي.
رآه إبراهيم مراراً، لكنه لم يسألني يوماً لمَ ليس في أصبعي.
عند الغروب، جلسنا أمام البحر:
— هل أنتِ سعيدة؟ —سألني.
فكّرتُ في المرأة التي خرجت من ذلك القصر بحقيبتين وطفلين وأربعين مليون ريال.
كنتُ أظن أن الحرية هي الهروب… أما الآن فأعلم أنها القدرة على الاختيار.
— نعم —أجبتُه—، أخيراً أنا سعيدة.
ابتسم إبراهيم:
— إذن، كان كل شيء يستحق العناء.
— ليس كل شيء.
— معكِ حق.
خلعتُ الخاتم من السلسلة.
تتبعت عينوه كل حركة من يدي.
— أنا لا أثق بكَ كلياً بعد.
— أعلم.
— ولستُ مستعدة لأكون السيدة التي تنتظرها عائلتك.
— لا أريدكِ أن تكونيها.
— سأحتفظ باسم عائلتي.
— يُعجبني اسمكِ.