ثمن الرحيل – محمد نور
— أين أنتِ؟
قرأتها ولم أجب.
أتبعها برسالة أخرى:
— مريم… أرجوكِ عودي.
ابتسمتُ بمرارة.
ثلاث سنوات نعيش تحت سقف واحد ولم يطلب مني يوماً البقاء… والآن بعد أن ابتعدت، يريدني أن أعود؟
أغلقتُ الهاتف.
لكن بعد دقيقة واحدة فقط، رنّ هاتف الغرفة.
— السيدة مريم؟ —قالت الموظفة بصوت متوتر—، هناك رجل في البهو يسأل عنكِ بشدة.
نظرتُ نحو مدخل الفندق.
كان إبراهيم يقف هناك.
بلا سترته الرسمية…
بلا ربطة عنق…
وبقبضات يدمّيها الجرح!
وكان يمسك بيده نسخة من العقد الذي وقّعتُ عليه.
— مريم… —قالها وهو ينظر إليّ وكأنه ركض أميالاً للوصول إليّ— لماذا قبلتِ المال؟
— لأنك أنت من طلب مني الرحيل.
شحب وجهه تماماً وزال منه اللون:
— هل هذا ما قاله لكِ المحامي؟!
— هذا ما نصّ عليه الاتفاق.
ضغط إبراهيم على الوثيقة بقوة حتى تجعدت بين يديه، وقال وعيناه تفيضان بالدموع:
— أربعون المليون لم تكن لتبتعدي عني…
اقترب مني خطوة واحدة وهو يهمس بصوت متهدج:
— بل كانت المهر الذي أردتُ أن أطلب به يدكِ للزواج!
للمزيد من القصص الحصرية في جروب : روايات محمد نور
الجزء الثاني والختامي
لعدة ثوانٍ ظننتُ أنني سمعتُه خطأ.
خلفي، كان “عمر” يرشش الماء بطفولية في مسبح الأطفال. وكان الطفل الآخر “سارة” تنام تحت ظل المظلة، غير مدركة لغياب الرجل الذي قطع توّاً نصف البلاد ليقول أكثر جملة عبثية سمعتها في حياتي.
— نتزوج؟ —كررتُ الكلمة بذهول.
كان إبراهيم يتنفس بصعوبة.
لم أره يوماً بهذا المنظر.
هو الذي كان دائماً شديد الأناقة…
دائماً بارداً ومبتعداً…
ودائماً مُسيّطراً على كل شيء.
حتى عندما ولد “عمر”، اكتفى بالنظر إليه لثوانٍ معدودة قبل أن يسأل الطبيب ببرود عما إذا كنا كلينا بخير.
بلا لمسة حنون…
بلا كلمة دافئة…
بلا أي مشاعر.
أما الآن، فقد كان يقف أمامي بقميص مجعد، وشعر ثائر، ودم جاف يكسو قبضتيه.
— دعيني أشرح لكِ.
— محاميك شرح كل شيء بوضوح تام.
— لا! لم يكن يفترض به أن يطلب منكِ الرحيل!
— العقد كان ينص بوضوح على إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام.
— لأن القصر كان سيعاد ترميمه وتجديده!
أطلقتُ ضحكة خالية من التصديق:
— وهل كنتَ ستعيد ترميم حياتي أيضاً؟ ألهذا أدرجتَ بند السرية؟
خفض إبراهيم نظره نحو الأوراق:
— ليس هذا العقد الذي أعددتُه بنفسي.
رفعت الرياح البحرية طرف الورقة، فقلّب الأوراق بسرعة وأشار إلى الصفحة الأخيرة: