وظيفة زوجة – محمد نور

 

بقي الصبي صامتاً لثوانٍ، ثم قال:

— حسناً.

 

على طاولة الطعام، جلس بظهر مستقيم، واستخدم الأدوات بدقة مذهلة دون أن يصدر أي صوت.

ومع ذلك، طلب صحناً ثانياً من الشوربة… وكرر أكل اللحم ثلاث مرات!

 

وعندما انتهى، وضع المنديل بجانب طبقه وقال:

— كان الطعام لذيذاً جداً… شكراً لكِ.

 

— يسعدني جداً أنه أعجبك.

 

نظر إليّ زياد بتمعن وقال:

— هل يمكنني أن أناديكِ "أختي سارة"؟

 

كاد قلبي أن يذوب من الرقة:

— بالطبع يا حبيبي.

 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وقال:

— تصبحين على خير يا أختي سارة.

 

كانت هذه أول مرة يبتسم فيها منذ رحيل والدته…

ولم أكن أعلم ذلك حينها.

 

كما لم أكن أعلم أن طارق العلي كان يراقبنا من مدخل غرفة الطعام.

كان وجهه خالياً من أي تعبير، لكن يديه كانتا مقبوضتين بشدة…

 

لأن زياد نطق معي في بعد ظهر يوم واحد بكلمات أكثر مما نطق به مع أبيه طوال الأشهر الستة الماضية!

 

وفي تلك الليلة نفسها، عندما ذهبتُ لأغطي الصبي في مضجعه، أمسك زياد بمعصمي بقوة وشغف:

— لا تتركيني وترحلي…

 

— لن أتركك أبداً.

 

غرقت عيناه بالدموع وقال:

— كلهن يقلن ذلك…

 

وقبل أن أتمكن من إجابته، سمعتُ صوت شيء يسقط خلفي.

 

كان طارق يقف عند عتبة الباب…

وعلى الأرض، بجوار حذائه، سقطت صورة فوتوغرافية.

 

كانت الصورة لزوجته الراحلة… أم زياد.

 

وكانت تلك المرأة تحمل نفس وجهي تماماً!

 

وفي ظهر الصورة، كانت هناك عبارة مكتوبة بخط اليد تدعو للرعب:

"إياكم أن تكتشف سارة من تكون في الحقيقة…"

 

***

 

توقف الزمان لثوانٍ معدودة ولم يتحرك أحد.

 

كان زياد لا يزال متمسكاً بمعصمي رجاءً، وطارق يقف عند الباب كالصنم، بينما عجزتُ أنا عن إبعاد نظري عن تلك الصورة.

 

كانت المرأة في الصورة تملك نفس ابتسامتي، نفس تقاطيع وجهي، وحتى تلك الشامة الصغيرة تحت عينها اليسرى… شامة تطابق شامتي تماماً!

 

انحنيتُ لألتقط الصورة، لكن طارق كان أسرع مني وأخذها:

— هذا ليس من شأنكِ.

 

— امرأة تحمل وجهي تظهر في صورة عائلية، واسمي مكتوب على ظهرها… أظن أن هذا من شأني تماماً!

 

تجمدت ملامحه وقال بجفاف:

— زياد يحتاج إلى الراحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *