نسي هاتفه في المنزل ٢ – محمد نور
قرأتها وأنا جالسة في غرفة المعيشة.. غرفتي.
في بيتي.
البيت الذي تركه لي والداي والذي أعدت شعوري به كبيتي.
لسنوات طويلة كنت أخاف من هذا المكان لأن كل غرفة كانت تحمل ذكريات لطارق.
لكنني غيرت الأشياء شيئاً فشيئاً.. دهنت الجدران، باعت الأريكة القديمة التي اختارها، وحولت الغرفة التي كنا نحتفظ فيها بأغراض والدته إلى مكتب صغير.
ولأول مرة منذ عقد، بدأت أفكر في نفسي.
عدت للعمل أيضاً.
لم أستطع العودة لنفس المنصب الذي تركته منذ سنوات، لكنني وجدت جمعية تحتاج لمنسقين إداريين.
في المقابلة سألوني عن سبب ابتعادي طوال هذه المدة عن سوق العمل.
لسنوات كنت أخجل من الإجابة.. لكن تلك المرة قلت:
— “كنت راعية لفرغ تام لشخص مقرب يعاني من مرض مزمن.”
أومأت الملاحظة برأسها:
— “إذن أنتِ تعرفين الكثير عن التنظيم، والضغط، والأدوية، والمواعيد، والميزانيات، والأزمات.”
ضحكت:
— “كثيراً جداً.”
وتوظفت.
في اليوم الأول الذي استلمت فيه راتبي الخاص، بكيت في موقف السيارات.. ليس لأنه كان مبلغاً ضخماً، بل لأن تلك الأموال كانت تحمل اسمي أنا فقط.
بعد أشهر، دعتني منى لشرب القهوة:
— “تبدين مختلفة.”
— “أتمنى أن يكون ذلك جيداً.”
— “هو كذلك.”
أخبرتها أنني بدأت جلسات علاج نفسي، وأنني أستعيد صداقاتي، وأنني أستعدت بعض العادات التي تركتها عند زواجي، بل وإنني سافرت بمفردي في عطلة نهاية الأسبوع.
ابتسمت منى:
— “وطارق؟”
أخرجت هاتفي وأريتها رسالته الأخيرة:
“أحياناً أظن أنني دمرت حياتي.”
— “هل ستردين؟”
هززت رأسي بنفي.
لأنني بعد كل ما حدث، فهمت شيئاً أخيراً.
لطالما تخيلت أن اللحظة الأكثر إرضاءً ستكون رؤيته يخسر أموالاً، أو يخسر عقارات، أو تتخلى عنه شهد.
ظننت أنني سأشعر بالعدالة عندما تتوقف ابتسامته المغرورة التي ظهرت في الصباح الذي أمرني فيه بإخلاء بيتي.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
الانتصار الحقيقي حدث في يوم ثلاثاء عادي.
عدت من العمل، وضعت المفاتيح على الطاولة، أعددت كوباً من الشاي، فتحت النوافذ واستمعت لصوت المطر.
لا أحد يصرخ عليّ.
لا أحد يكذب عليّ.
لا أحد يتحكم في مقدار الأموال التي أنفقها.
ولا أحد يجعلني أشعر أن قيمتي تعتمد على قدرتي على الحمل.
وحينها فهمت أنني قضيت ما يقرب من ساعة داخل البيت دون أن أفكر في طارق!
كانت تلك هي الحرية.