الصفعة – محمد نور

—دعييني أقول…

—أنت في مستشفى مع أمك المريضة، أنت خائف ومرهق. لا أريد اعتذارًا نابعًا من الخوف من فقدان من يساعدك.

كانت محقة. أنهت المكالمة.

تلك الليلة، جلستُ مع والدي بجوار نافذة الغرفة.

—أبي، هل تذكر اليوم الذي غادرت فيه “أمل”؟

—نعم.

—لماذا لم تقل شيئًا؟

تردد طويلًا، ثم قال:

—لأنني كنتُ جبانًا. تعلمتُ أن مسايرة أمك أسهل. رأيتك تضرب “أمل” ولم أقل شيئًا، ظننتُ أنه شأن بين زوجين. هكذا نبرر نحن الجبناء راحتنا.

في تلك اللحظة، رأيتُ والدي ليس كأب، بل كرجل عجوز أمضى عقودًا يتجنب الصراعات. وخفتُ.. خفتُ أن أصبح مثله تمامًا.

—هل كانت أمي تتحدث عن “أمل”؟

—طوال الوقت. كانت تحفظ كل الهدايا التي ترسلها، الشاي، الكريمات.. وتقول لمن يسأل: “هذه من كنتي”.

—إذن لماذا لم تتصل بها؟

نظر والدي إلى أمي النائمة:

—لأنها لكي تتصل، عليها أن تعترف أنها أخطأت.

بعد أسبوع، خرجت أمي من المرحلة الحرجة. كان الوضع المادي لإعادة التأهيل صعبًا. “راشد” رفض الدفع بحجة القرض والالتزامات.

—أنتِ أمه أيضًا!

—لولوة لن تقبل.

—أنا لا أسألك عما تقبله لولوة، بل عما ستفعله لأجل أمنا.

باع “راشد” سيارته ودفع نصيبه. وتدخلت “لولوة” لاحقًا لتقول لي: “أنت لديك أمل، الأمر أسهل بالنسبة لك”. نظرتُ إليها وقلت: “أمل لن تعتني بأمي. بسبب طريقتنا في معاملتها، هي لن تفعل”.

مرت الشهور. بدأت أمي تتغير، ليس كالسحر، لكنها توقفت عن أن تكون ديكتاتورة. وفي يونيو، طلبت مني “أمل” أن نذهب لزيارتها.

عندما وصلنا، كان الطريق طويلًا. وقفت “أمل” أمام الباب، نفس الباب الذي أغلقته قبل سنوات. دخلنا. رأت “أمل” أمي، التي كانت تجلس بوهن. حاولت أمي النهوض.

—اجلسي.

قالت “أمل” بهدوء.

ساد الصمت. ثم قالت أمي:

—أنا آسفة.

كانت الكلمات بطيئة، صعبة، لكنها واضحة.

—أهنتُ عملك، ضغطتُ عليكِ لتنجبي ولدًا، تمنيتُ ألا تكون “جود” ابنتكِ.. لم يكن لي حق.

مدت أمي يدها، ولم تحاول لمس “أمل”، بل تركتها مفتوحة. بكت أمي، وبكت “أمل”. لم يكن حضنًا دراميًا، ولا نسيانًا تامًا، لكنها كانت بداية.

اليوم، مرت عشر سنوات على تلك الصفعات. “أمل” تزور والديّ متى أرادت، لا بحكم الواجب، بل حين ترغب. لا أحد يطبخ للعشرين، لا أحد يخدم أحدًا. نضحك، نأكل، نتحمل مسؤولياتنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *