مخطط عائلي _ محمد نور
وقبل أن أنطق بحرف، دفعت حماتي الطفل نحوي:
— “عمر”، سلم على عمتك “مريم”.
نظر إليّ الطفل، وأخرج لسانه ثم صرخ:
— ليست عمتي! هذه خطافة رجال سرقت أبي منا!
ساد الصمت خيم على الصالة.
شحب وجه حماتي، أما “ندى” فلم تكلف نفسها حتى عناء النهوض، بل اكتفت بابتسامة ساخرة:
— إنه مجرد طفل، يطرق بكلام فارغ. لا تأخذي على كلامه.
رمقتها لثوانٍ ثم قلت:
— الأطفال قد يخطئون… ولكن ألا يعرف الكبار كيف يعتذرون؟
تجمدت الابتسامة على شفتيها ونظرت إلى “حمزة”.
وبدلاً من أن يدافع زوجي عني، عبس وقال بجفاء:
— “مريم”، لا تبدئي بالمشاكل.
كانت تلك الكلمات الثلاث كافية لتكشف لي الكثير.
في الأيام التالية، اكتشفت ما هو أدهى وأمر.
“ندى” لم تأتِ لزيارة عابرة، بل فرغت حقائبها في غرفة الضيوف.
تستخدم أدوات تجميلي.
ترتدي ملابسي.
وحين كسر ابنها تحفة زجاجية، قال “حمزة”: “إنه مجرد طفل”.
وكلما احتججت، أسمع النغمة ذاتها: “نحن عائلة واحدة”.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في نهاية الشهر.
تفقدت حسابنا المشترك لأجد أن “حمزة” لم يودع فيه درهماً واحداً من راتبه!
سألته أين ذهب المال، فلم يرف له جفن ولم يبدُ عليه أي خجل:
— أعطيته لـ “ندى”.
ظننت أنني لم أسمع جيداً:
— كله؟
— نعم.
— كامل راتبك؟!
تنهد “حمزة” بحنق وكأنني أنا الجانية:
— أنتِ تتقاضين راتباً عالياً يا “مريم”، ودخلكِ يكفينا وزيادة. “ندى” بلا عمل ورعاية “عمر” بمفردها أمر شاق.
— وهل هذا يعني أن أتولى أنا الإنفاق على البيت بينما تتكفل أنت بالإنفاق على أرملة أخيك؟
تغيرت ملامحه وقال قاطساً:
— لا تكوني خبيثة وبخيلة!
تداخلت حماتي التي كانت تستمع من السفرة:
— عندما تدخل المرأة عائلة جديدة، عليها أن تتعلم المشاركة. “ندى” ذاقت المرار.
عندها أطاطت “ندى” رأسها مظهرة الضعف، فأمسك “حمزة” بيدها… ولم يفلتها هذه المرة حتى وهو يراني أنظر إليهما.
قال حمزة: — أخي توفي، ومن واجبي شرعاً وعرفاً أن أرعى زوجته وابنه.
يبدو العذر مثالياً ومقنعاً…
لكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط.
في تلك الليلة بالذات، وعن طريق المصادفة، عثرت على وثيقة مخبأة داخل ملف قديم لـ “حمزة”.
شهادة رسمية.
قرأتها مرة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة…
وشعرت ببرودة تسري في أطرافي.
تلك الوثيقة كانت تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن “عمر” يستحيل أن يكون ابن أخيه المتوفى!