حق ابنتي – محمد نور

اقتربتُ منها وساعدتها على النهوض، فارتفع طرف ثوبها قليلاً.. وهناك رأيتها!

كدمات.. ندوب.. وآثار جروح قديمة اختلطت بإصابات حديثة، تغطي ساقيها من الكاحل حتى الركبة!

شعرتُ وكأن الهواء انسحب تماماً من المكان.

— من فعل بكِ هذا؟

بكت “أمل” وقالت:

— لا أحد يا أمي.. لقد سقطت فقط…

— هل سقطتِ خمس عشرة مرة؟!

لم تجب.

ظهرت “لطيفة” خلفي وهي تحمل فنجان قهوة وقالت ببرود:

— ابنتكِ طالما كانت دلوعة وتضخم الأمور وتصنع دراما من لا شيء.

لتفتُّ إليها وسألتها:

— أين تنام أمل؟

أشارت “لطيفة” إلى زاوية قصية.

كان هناك فراش رقيق مطروح على الأرض، إلى جوار أحواض زرع جافة.

بقيتُ أتحسر وأنا أنظر إليه..

البيت فيه ست غرف نوم! ست غرف!

وابنتي هي المالك الوحيد له، ومع ذلك تنام على فراش رطب في الشرفة بينما تستولي والدة زوجها على الملحق الرئيسي!

في تلك اللحظة، فهمتُ أن كل المكالمات الهاتفية طوال العام الماضي كانت مجرد أكاذيب:

“أنا بخير يا أمي.”

“طارق يعتني بي كثيراً.”

“خالتي لطيفة تعاملني كابنتها.”

كانت طفلتي تحاول حمايتي، أو ربما بلغ بها الخوف حدّاً لم تعد تعرف معه كيف تطلب المساعدة.

تنهدت “لطيفة” وقالت:

— يا مريم، لا داعي لإثارة المشاكل، كل زواج تمر به عقبات، وعلى أمل أن تتعلم كيف تكون زوجة مطيعة.

لتفتُّ إليها ببطء:

— زوجة مطيعة؟!

— طارق يعمل، وعليها هي الاهتمام بالبيت، نحن عائلة متمسكة بالأصول والتقاليد.

هنا أمسكت “أمل” بذراعي وقالت بإنهاك:

— أمي.. أرجوكِ، لنرحل من هنا.

أربع كلمات فقط.. لم تقل “أريد أن نتحدث”، ولا “سأشرح لكِ”.. بل فقط: “لنرحل”.

أخرجتُ هاتفي المحمول، فابتسمت “لطيفة” بسخرية:

— هل ستتصلين بالشرطة؟ تفضلي، فما من أحد ارتكب جُرمًا!

لم أتصل بالشرطة.. ليس الآن.

بل طلبتُ رقماً آخر:

— أهلاً يا أبا فهد؟ أريدك أن تلغي كل أعمال هذا بعد الظهيرة.

صمتُّ لبرهة ثم أردفت:

— أحضر معك ثماني جرافات فوراً!

اختفت ابتسامة “لطيفة”، ونظرت إليّ “أمل” بعدم فهم:

— أمي… ماذا تفعلين؟

أعدتُ الهاتف إلى جيبي، ثم جلتُ ببصري في أركان البيت الذي قضيتُ نصف عمري أعمل من أجل شرائه.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرتُ بسكينة هادئة واسترسلت:

— أنا أستردّ ما هو حقكِ.

ما لم نكن نعرفه حينها، هو أن “طارق” كان على وشك الوصول إلى البيت… برفقة محامٍ!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *