أحزان مبعثرة ٢ – محمد نور
“أين نادين؟”
التفت زياد فجأة.
كان وجهه شاحباً كالأموات.
“أين نادين بحق الجحيم؟!”
وفي نفس اللحظة، رنّ هاتف المفوض رحمت.
تلقى اتصالاً قصيراً.
وبعد ثوانٍ قليلة، تغيرت تعابير وجهه.
“ماذا؟”
“هل تم استعادته بالكامل؟”
نظر إلى رحمت نحو عائشة.
ثم شغل مكبر الصوت.
“شغل الجزء الأخير.”
كان الصوت المستعاد رديئاً للغاية.
مليئاً بالتشويش.
ولكنه ظل مسموعاً.
قال رضا:
“يا آِنسة، ماذا لو مات الصغير؟”
ثم سُمع صوت نادين راداً عليه.
لم يعد يشوبه أي ذعر.
بل بدا هادئاً للغاية.
وبارداً تماماً.
“لو لم يكن زياد الصغير موجوداً…”
“…فلن يكون لدى عائشة أي شيء لتربط به الأخ زياد بعد الآن.”
توقف التسجيل.
لم يتحرك أحد في الغرفة إطلاقاً.
وبعد ثوانٍ، قال الفني عبر الهاتف:
“حضرة المفوض…”
“هناك ملف آخر أيضاً.”
“ليس من يوم الحادث.”
“سُجل قبل ثلاثة أسابيع.”
“ومحتواه…”
صمت الرجل برهة.
“…يتعلق بمرض السيدة عائشة.”
فرفعت عائشة رأسها ببطء.
بينما شحب وجه زياد تماماً.
نظر إليهم رحمت:
“في ذلك التسجيل…”
“تقول نادين إنها كانت على علم بتشخيص إصابة عائشة بسرطان الدماغ حتى قبل أن تتمكن عائشة نفسها من إخبار زوجها.”
أربع وثلاثون دقيقة من الخذلان
كانت نادين جالسة في غرفة المعيشة حين وصل زياد.
وكانت تمسك في يدها فنجان شاي.
بدا وجهها هادئاً للغاية.
وكأن كل ما اكتشفته الشرطة للتو لا علاقة لها به من قريب أو بعيد.
وعندما رأت زياد، ابتسمت له بلطف.
“الأخ زياد؟”
“لماذا عدت مبكراً هكذا؟”
“لقد قال الطبيب إن جرح يدي—”
صفعة قوية!
هوت صفعة مدوية على وجهها.
فطار فنجان الشاي من يدها.
وتحطم على الأرض.
تسمرت نادين مكانها.
طوال حياتها، لم يسبق لزياد أن رفع يده عليها.
حتى حين كانت طفلة صغيرة.
حتى حين كانت ترتكب أخطاء فادحة.
كان دائماً أول من يحميها ويدافع عنها.
لكن عيني زياد كانتا محمرتين بالدم هذه المرة.
“أربع وثلاثون دقيقة.”
تجمدت نادين:
“ماذا؟”
“كان زياد الصغير حياً لمدة أربع وثلاثين دقيقة بعد الحادث.”
تغير وجه نادين في الحال.
حدق فيها زياد بنظرة مرعبة:
“لماذا؟”
تراجعت نادين للخلف:
“يا أخي، يمكنني أن أفسر…”
“لماذا؟!”
هز صوت زياد أرجاء المكان بأسره.
دخلت السيدة إبراهيم وعائشة ورحمت وضابطان آخران بعد ثوانٍ قليلة.
وما إن رأت نادين عائشة حتى شحب وجهها أكثر.