أحزان مبعثرة ٢ – محمد نور
وكان بداخلها ساعة زياد الصغير.
فقد أُزيل الزجاج المكسور منها ونُظفت بعناية.
وبجانبها سيارة لعب صغيرة.
كانت آخر هدية أداها زياد لابنه.
أغمض زياد عينيه.
ولأول مرة منذ عودته من أيسلندا…
بكى حقاً.
بلا صوت.
دموع صامتة فحسب.
ولم تحاول عائشة مواساته.
فهناك جروح لا بد للإنسان أن يتحملها بمفرده.
السلام الأخير بجوار البحر
رحلت عائشة إلى جدة بعد أسبوع كامل.
ولم تأخذ معها سوى حقيبة سفر واحدة.
ورماد ابنها زياد.
جاء زياد إلى المطار.
لكنه لم يقترب.
وقف بعيداً جداً.
فرأته عائشة.
وتلاقت نظراتهما.
لا تلويح باليد.
ولا كلمات وداع.
استدارت عائشة بعد ذلك.
ولم تنظر خلفها قط.
في جدة، اشترت قطعة أرض صغيرة غير بعيدة عن شاطئ البحر.
وحيث كانت مقابر والديها هناك.
دُفن زياد الصغير بجوارهما.
وعلى شاهده نُقِش:
زياد الحسين
اختارت عائشة اسم عائلتها الخاصة.
وليس الفحام.
ليس بهدف محو اسم والد ابنها.
بل لأنها أرادت لطفلها أن يكون مع عائلة طالما انتظرت عودته منذ البداية.
وبجزء من ثروتها الخاصة، أسست عائشة مؤسسة خيرية صغيرة.
سمتها:
مؤسسة زياد.
ووفرت تلك المؤسسة خدمات نقل طوارئ طبية وتكاليف أولية للمستشفيات للأطفال ضحايا الحوادث من العائلات المحتاجة.
وحين سألها محاميها عن سبب اختيار هذا المشروع بالذات، أجابت عائشة بهدوء:
“لأن ثلاثاً وأربعين دقيقة.. ثمن باهظ جداً لا ينبغي لطفل أن يدفعه.”
مرت الأيام والأسابيع.
أسبوع تلو الآخر.
أسبوعان.
ثلاثة أسابيع.
وساءت حالة عائشة الصحية أكثر فأكثر.
وفي الأسبوع الرابع، صار المشي صعباً عليها.
لكنها ظلت تصر كل عصر على أن تُنقل إلى مقبرة زياد.
لتجلس هناك.
وتروي له حكايات صغيرة.
عن الطيور.
وعن البحر.
وعن الزهور الجديدة التي تنبت حول القبر.
وكأن ذلك الطفل الصغير كان نائماً فحسب.
وفي ذات عصر، جلب المحامي شيئاً قادماً من الرياض.
“عُثر على هذا في السحاب الإلكتروني لساعة زياد.”
نظرت عائشة إليه باهتمام فوري:
“هل هناك تسجيل آخر؟”
أومأ المحامي برأسة:
“لكنه ليس عن الحادث.”
“سُجل قبل يومين منه.”
وضعت عائشة سماعات الأذن.
وانطلق صوت زياد الصغير.
مرحاً.
وخجولاً بعض الشيء.
“أماه…”
“زياد يريد أن يخبرك بسر.”
غطت عائشة فمها بيديها.
وتابع صوت الطفل:
“قالت المعلمة، إن أحببنا شخصاً ما، يجب أن نخبره قبل فوات الأوان.”