أحزان مبعثرة ٢ – محمد نور

.

 

تابع رحمت كلامه:

“حين وصل رضا إلى محيط المنزل، كانت الحادثة قد وقعت للتو.”

“فأدخل الصغير زياد إلى سيارته.”

“لكنه لم يأخذ الطفل إلى المستشفى مباشرة.”

بدأت أصابع عائشة ترجف.

“لماذا؟”

أخرج رحمت جهاز حاسوب محمول.

“لأننا عثرنا على تسجيل صوتي.”

تحتوي ساعة زياد على ميزة التسجيل التلقائي حين يُفعّل وضع الطوارئ.

قبل الحادث، بدا أن الصغير ضغط على زر الاستغاثة SOS.

ورغم تحطم الشاشة، ظل الميكروفون نشطاً لعدة دقائق.

ضغط رحمت على زر التشغيل.

انبعث صوت ضوضاء واهتزاز.

وبكاء طفل صغير.

وصوت أشخاص يصرخون.

ثم ظهر صوت رجل.

تعرفت عائشة على صوت رضا فوراً.

“الآنسة نادين…”

“لقد عثرت على زياد الصغير.”

“لقد صدمته سيارة.”

“إنه لا يزال يتنفس.”

تجمد الجميع في الغرفة.

ثم تردد صوت امرأة من مكبر الصوت الخاص بالهاتف.

كان ضعيفاً.

لكنه واضح جداً.

“كيف حدث ذلك؟”

بدا زياد وكأن صاعقة قد ضربته.

“نادين…”

كان ذلك صوت نادين نفسها.

بدا رضا في الهلع:

“رأسه ينزف. يجب أن أنقذه وأخذه إلى قسم الطوارئ فوراً.”

وفي الطرف الآخر من الهاتف، سُمع صوت نادين وهي تأخذ نفساً سريعاً.

ثم—

“لا تتصل بالأخ زياد الآن.”

وضعت عائشة يدها على فمها.

بينما ظل زياد بلا حركة.

بدا رضا أكثر ذعراً:

“لكنه ابنه!”

“لو اتصلت به الآن، سيعود فوراً!”

ارتفعت نبرة صوت نادين حادة:

“لقد نجحت للتو في جعله يوافق على السفر معي.”

“خذ الطفل إلى عيادة أخرى أولاً.”

“لا تستخدم مستشفى عائلة الفحام.”

“لا أريد أن يعرف الأخ زياد بالأمر قبل أن أقرر ما يجب فعله.”

تراجع زياد خطوة إلى الوراء.

وكأن أحدهم سدد ضربة قوية لصدره.

حدقت عائشة في الشاشة بلا جفن يرتد.

ثم تحول التسجيل إلى ضوضاء مشوشة.

أوقفه رحمت قائلاً:

“الجزء الذي يلي هذا تالف.”

“لكن فريق الأدلة الجنائية يحاول استعادته.”

أغمضت عائشة عينيها.

طوال هذا الوقت، ظنت أن ابنها توفي في الحال.

وكان هذا العزاء الوحيد المتبقي لها.

كانت تحدث نفسها دائماً بأن طفلها لم يعانِ طويلاً.

وبأن كل شيء حدث أسرع من أن يشعر بالألم.

لكن اتضح أن…

كان لا يزال حياً.

كان ابنها يتنفس.

وكانت لديه فرصة للنجاة.

لكن أحدهم اختار تأخير إنقاذه.

من أجل رحلة ترفيهية إلى أيسلندا.

ومن أجل شخص واحد.

ومن أجل ألا تتعكر صفو الإجازة.

فتحت عائشة عينيها.

ولأول مرة منذ عودة زياد، ظهر كره حقيقي لا لبس فيه في داخليتها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *