عشاء الذكرى السنوية- محمد نور
ولكن بعد ذلك، وصلتني رسالته:
> «ما زلت في المكتب. ليلة طويلة. لا تنتظريني ساهرة.»
>
اتصلت به.
لم يرد.
نظرت إلى نفسي في انعكاس زجاج الفرن المظلم. رأيت امرأة لا تريد أن تحول نفسها إلى محققة في زواجها الخاص. ورأيت أيضاً امرأة لست مستعدة للجلوس في بيتها بينما يحول زوجها طاولة ذكرى زواجها إلى شيء آخر.
لم أرتدِ الفستان.
ارتديت بنطال جينز، وكنزة خفيفة، وحذاءً مريحاً.
قُدت سيارتي نحو “حي الأندلس الراقي” ويداي باردتان على عجلة القيادة. في منتصف الطريق، كدت أن أستدير عائدة. قلت لنفسي لعلني أبالغ، وأن الشك ليس سوى أفعى صغيرة تقتات على أي ضجيج.
لكن الرسالة ظلت تلمع على الشاشة: ما زلت في المكتب.
كان لمطعم الروابي نوافذ زجاجية كبيرة مطلة على الشارع. لم أكن بحاجة للدخول لكي أراه.
كان إبراهيم جالساً في الخلف.
لم يكن مع امرأة شابة.
بل كان مع شقيقته ليلى، وزوجها رءيف، وامرأة أخرى لا أعرفها، أنيقة، ذات شعر قصير، وترتدي بذلة بيج، وبجانب كأس الماء الخاصة بها كانت توجد ملفات سوداء.
شعرت بالارتياح لمدة ثلاث ثوانٍ.
ثم شعرت بما هو أسوأ.
لم تكن خيانة عاطفية.
كان اجتماعاً سرياً!
رأتني ليلى أولاً. تغير وجهها كأنها رأت ديناً داهماً يدخل عليها.
التفت إبراهيم.
دخلت أنا.
ابتسمت موظفة الاستقبال بتوتر:
«السيدة الصالح…»
«سألقي التحية فقط.»
وعندما وصلت إلى الطاولة، كان إبراهيم قد وقف بالفعل:
«مريم.»
نظرت إلى الكؤوس الأربع، وأدوات المائدة الأربع، والملف المفتوح.
«يا للغرابة. لقد أصبح مكتبك أنيقاً للغاية.»
خفض رءيف بصره.
عصرت ليلى المنديل بين يديها.
أغلقت المرأة الملف، لكنني لمحت صورة في الصفحة الأولى:
ماء… أشجار صنوبر… شرفة قديمة ذات درابزين أزرق.
منزل “براري الشفاء”.
المنزل الذي كان يملكه المرحوم الحاج محمود، والد إبراهيم وليلى. المنزل الذي تعلم أبنائي السباحة فيه، والذي قضيت فيه أربعة وعشرين صيفاً. المنزل الذي لم يكن ملكي قانونياً أبداً، ولكنه كان ينتمي لي عاطفياً في كل زاوية فيه.
«لماذا لديكم صورة لمنزل براري الشفاء؟»، سألت.
ابتلعت المرأة ريقها وقالت:
«أنا ليلى العبد الله، مستشارة عقارية.»
نظرت إلى إبراهيم.
لم ينطق بكلمة.
وكان ذلك أكثر ما ألمني.
تحدثت ليلى بصوت خفيض:
«مريم، لم تكن هذه هي الطريقة التي أرَدنا أن تكتشفي بها الأمر.»