عشاء الذكرى السنوية- محمد نور

وجاء العرض الثاني من زوجين شابين مع طفلين. أرادا بيتاً لقضاء عطلات نهاية الأسبوع، وتعليم الأطفال السباحة، وشواء اللحم، وترك الدراجات في المدخل.

عندما أخبرتنا المستشارة العقارية بذلك، ابتسمت ليلى أخت إبراهيم.

«كان أبي ليطلب سعراً أعلى.»

ضحكنا جميعاً.

وفي اليوم الذي ذهبنا فيه لأخذ آخر أمتعتنا، لم نقم بأي مراسم. لم نطلق بالونات، ولم نلقِ خطابات. أطفأنا الأنوار فقط، وفحصنا النوافذ، وأغلقنا الباب.

وقبل أن نغادر، سلمني إبراهيم الكوب المكسور الذي كان يخص الحاج محمود.

«لقد قال إنه ملك لكِ أيضاً.»

أخذته بكلتا يدي.

«كوب واحد.. هذا ما يمكنني الحفاظ عليه.»

ابتسم إبراهيم بملل وتعب.

«وأنا يمكنني ألا أكذب عليكِ حين يشعرني شيء ما بالخوف.»

نظرت إليه.

«سيكلفك ذلك أكثر من إصلاح السقف.»

«أعلم.»

بعد ثلاثة أشهر احتفلنا بذكرى زواجنا الخامسة والعشرين.

متأخرين، ولكن معاً.

لم نذهب إلى “مطعم الروابي”. لم أكن قادرة بعد على النظر إلى ذلك المكان دون تخيل طاولة الأربعة أشخاص.

اخترنا مطعماً إيطالياً صغيراً بالقرب من البيت، بمفارش بيضاء وموسيقى هادئة. بلا قصص ماضية. وبلا أشباح.

وعندما وصلنا، سأل موظف الاستقبال:

«هل لديكم حجز؟»

أعطى إبراهيم اسمه.

تفقد الشاشة.

«طاولة لشخصين؟»

لم يجب إبراهيم فوراً.

نظر إليّ.

ليس كمن يطلب إذناً.

بل كمن يعترف بأنني هذه المرة جزء من الإجابة.

أخذت نفساً عميقاً.

«نعم»، قلت. «لشخصين.»

جلسنا وجهاً لوجه.

طلبنا نبيذاً.

وتحدثنا عن البيت، وعن الأبناء، وعن مدى صعوبة أن تحب شيئاً دون أن تحوله إلى سجن. تحدثنا عن الحاج محمود، ليس كقاضٍ، بل كرجل. رجل كان سيرغب بالتأكيد في أن يرانا معاً، حتى لو كان ذلك في مكان آخر، وحتى لو كانت الطاولة جديدة، وحتى لو لم يعد للماضي سقف يخصه وحده.

فهمت في تلك الليلة شيئاً آلمني وأنقذني في الوقت ذاته.

العائلة لا تُحفظ بحبسها داخل عقار.

بل تُحفظ بقول الحقيقة قبل أن يغير الصمت طاولة الشخصين لتصبح طاولة أربعة.

وإن كنت قد تعلمت شيئاً بعد خمس وعشرين سنة من الزواج، فهو هذا: أحياناً لا تبدأ الخيانة باهتمام بامرأة أخرى، بل بمحادثة كان شخص ما خائفاً من إجرائها معك.

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *