في الثالثة فجرا – محمد نور
في تلك اللحظة، اختفت القسوة من وجه الشيخ جاسم. لم تكن الفتاة تحاول الهرب من عقاب، بل كانت تحاول حماية أمها.
ثم لاحظ شيئاً بجانب الباب: خُرْجاً قديماً من الجلد مليئاً بالكتب، وظرفاً يحمل ختم “دار المعلمين” في العاصمة.
قطّب الشيخ جاسم حاجبيه. هذا ليس متاع فتاة تركت دراستها.
— “لماذا تحملين وثائق مدرسة؟”
تسمرت مريم في مكانها. وكان صمتها أبلغ من أي كلام.
قضى الشيخ جاسم حياته وهو يقرأ وجوه الرجال، يعرف متى يكذب التاجر ومتى يخفي أحدهم نية سيئة. وهذه الفتاة كانت تخفي ألماً يعصر قلبها.
— “اتركي العجين واذهبي للنوم.”
فتحت مريم عينيها بذهول:
— “ولكن… خبز العمال؟”
— “أنا سأتصرف.”
أخذت حقيبتها ببطء، لكنها لم تكن تبدو مرتاحة، بل تبدت مكسورة، كأنها فشلت في المهمة الوحيدة التي جاءت من أجلها.
عندما خرجت، بقي الشيخ جاسم وحده ينظر إلى الطحين المتناثر على الطاولة.
هناك شيء غير منطقي:
فتاة موهوبة في العلم.
أم مريضة.
عمل في هزيع الليل الأخير.
ومستقبل ضائع.
في الصباح التالي، دعا أبو فهد، مدير أملاكه ومحل ثقته:
— “أريد أن أعرف كل شيء عن أمينة.”
أنزل أبو فهد رأسه:
— “هل حدث خطأ يا شيخنا؟”
— “هذا ما أريد معرفته.”
تنهد أبو فهد:
— “الحقيقة أن أمينة لم تعد بخير. تجهد سريعاً، وتكاد لا تنهي عملها من شدة السعال، لكنها تخاف أن تفقد المسكن الذي يأويها.”
شعر الشيخ جاسم بضيق في صدره:
— “ولماذا لم يخبرني أحد؟”
تردد أبو فهد:
— “لأن الجميع يعرف قانون المزرعة… من لا يستطيع العمل لا يمكنه البقاء.”
بقيت تلك الكلمات تدور في رأس الشيخ لعدة ساعات.
في عصر ذلك اليوم، قرر أن يتقصى الأمر بنفسه. ذهب إلى القرية المجاورة ودخل الكتّاب/المدرسة التي كانت تدرس فيها مريم.
تفاجأ المعلم برؤيته:
— “أهلاً بالشيخ جاسم، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
— “جئت لأسأل عن مريم بنت أمينة.”
تغيرت ملامح المعلم فوراً:
— “إنها من أذكى التلميذات اللاتي درستُهن.”
— “إذن لماذا انقطعت عن الحضور؟”
تنهد المعلم:
— “بسبب مرض أمها. لقد حصلت مريم على فرصة للدراسة في دار المعلمين بالعاصمة، وكانت المنحة كاملة. كان بإمكانها أن تصبح معلمة.”
شعر الشيخ جاسم بصدمة الحقيقة:
— “ورفضت المنحة؟”
— “نعم، قالت إنها لا تستطيع ترك أمها وحيدة.”
تذكر الشيخ الطحين، واليدين المجرحتين، والخوف في عيني الفتاة.