في الثالثة فجرا – محمد نور
لم تضيع فرستها… بل ضحت بها.
عندما عاد إلى الدار، رأى مريم خلف الحظيرة تحمل حطباً ثقيلاً في البرد القارس. لم تكن تصنع الخبز فحسب، بل كانت تعمل كأجيرة لتكسب بضع دراهم دون علم أمها.
شاهدها الشيخ جاسم وهي تسقط على ركبتيها من شدة التعب.
حينها فهم أن السر أكبر بكثير مما يتخيل. لم تكن مريم تضحي بآمالها فقط، بل كانت تهد حيلها وتدمر حياتها لتبقي أمها على قيد الحياة.
وعندما قرر الاقتراب منها، لمس بعينه شيئاً يتدلى من عنقها جعله يتسمر في مكانه ذهولاً: قلادة عائلية قديمة تحمل نقشاً يعرفه الشيخ جاسم جيداً…
الجزء الثاني
ترجل الشيخ جاسم عن فرسه ومشى نحو مريم. وقفت الفتاة بسرعة بمجرد أن رأته، والخوف يملأ عينيها؛ فقد ظنت أنه اكتشف عملها في مكان آخر وأن أمها ستفقد كل شيء.
— “يا سيدي، أنا أستطيع توضيح الأمر…”
نظر الشيخ جاسم إلى يديها الممتلئتين بالجراح:
— “لا أحتاج إلى توضيحات يا مريم، أحتاج فقط أن تقولي الحقيقة.”
بدأت تبكي في صمت:
— “أمي مريضة منذ أشهر، وقال الحكيم إنها بحاجة إلى دواء وراحة، لكننا لا نملك المال الكافي.”
— “ولهذا السبب تركتِ الدراسة؟”
أنزلت الفتاة رأسها:
— “لم أستطع الرحيل بينما كانت هي تكاد لا تتنفس.”
شعر الشيخ جاسم بخجل شديد في أعماقه. طوال سنوات كان يعيش في دار واسعة تحيط به النعم والأثاث الفاخر، بينما امرأة تعمل لديه تصارع من أجل البقاء.
في تلك الليلة، توجه مباشرة إلى البيت الصغير الذي تقيم فيه أمينة. وجد الغرفة باردة، أثاثها ضئيل، والمرأة ملقاة تحت غطاء ثقيل وقد أنهكها المرض.
حاولت أمينة النهوض عند رؤيته:
— “يا شيخنا، سامحني… غداً سأعود إلى العمل.”
— “لا تنهضي.”
أشعل الشيخ جاسم النار في الموقد، ووضع صرة من الدواء والمؤونة على الطاولة.
استغربت أمينة:
— “ما معنى هذا يا سيدي؟”
— “معناه أنني أخطأت. لسنوات كنت أرى عمل يديكِ، لكنني لم أَر معاناتكِ.”
بكت المرأة:
— “لم أرد أن أفقد عملي.”
— “ولن تفقديه.”
أمر الشيخ بنقلهما فوراً إلى إحدى الغرف المريحة داخل البيت الكبير حتى تسترد أمينة عافيتها بالكامل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت أثناء العشاء. بينما كانوا يأكلون، تحدث الشيخ مع مريم:
— “أخبرني معلمكِ أن بوسعكِ أن تصبحي معلّمة.”
تجمّدت الفتاة في مكانها، وأسقطت أمينة ملعقتها: