في الثالثة فجرا – محمد نور
الجزء الثالث
شهدت الأيام التالية تحولاً كاملاً في حياة المزرعة والبيت.
بدأت أمينة تسترد قوتها مع الدواء والأكل الجيد والراحة. ولأول مرة منذ سنوات، توقفت عن الاستيقاظ وهي تخشى أن تفقد بيتًا يأويها.
أما مريم فعادت للدرس والمراجعة بانتظار تأكيد قبولها. واستخدم الشيخ جاسم نفوذه وأرسل الرسائل والوثائق والدعم حتى تمكن من جعل المدرسة تقبل قيدها من جديد.
وعندما جاء الرد، فتحت مريم الظرف بيدين ترتجفان. لقد تم قبولها رسمياً!
ضمت الفتاة أمها وهما تبكيان فرحاً:
— “لقد نجحتِ يا بنيتي!”
— “بل نجحنا معاً يا أمي.”
كان الشيخ جاسم يراقبهما من عند الباب. لقد بنى ثروة هائلة، لكنه لم يشعر يوماً بانتصار عظيم كهذا.
مع مرور الوقت، تغيرت أيضاً طريقته في التعامل مع عماله. أدرك أن خلف كل شخص قصة وحكاية لا تظهر في دفاتر الحسابات والمال. أصلح بيوت المزرعة، ووفر الرعاية الطبية للجميع، ولم يعد ينظر إلى العمال كمجرد أيدٍ عاملة.
أمّا أمينة، وبعد أن استردت صحتها بالكامل، أُوكلت إليها مسؤولية جديدة داخل البيت الكبير؛ إذ لم تعد مجرد خادمة، بل أصبحت المشرفة على إدارة الدار والمؤونة وتنظيم المصاريف.
تشكك البعض في البداية، لكن سرعان ما اكتشف الجميع أن أمينة تملك ذكاءً وانضباطاً استثنائيين؛ فمن عاشت سنوات مدبرة لأمورها بأقل القليل، كانت تعرف كيف تدير الدار أفضل من أي شخص آخر.
وبعد أشهر، جاءت اللحظة التي وجب فيها على مريم المغادرة للدراسة.
في صباح يوم رحيلها، كانت تحمل حقيبة بسيطة والكتب ذاتها التي حمتها في تلك الليلة بالمطبخ. وقبل أن تركب الهودج، تقدمت نحو الشيخ جاسم:
— “لن أنسى ما فعلته من أجلنا أبداً.”
هز الشيخ جاسم رأسه وقال:
— “لم أفعل شيئاً سوى فتح باب بنيتِه أنتِ بنفسكِ بجهدكِ وعصاميتكِ.”
ابتسمت مريم:
— “سأصبح معلمة.”
— “وستغيرين حياة الكثيرين.”
انطلقت الفتاة نحو العاصمة، بينما وقف الشيخ جاسم وأمينة يرقبان الطريق حتى اختفت.
مرت السنوات… ولم تعد المزرعة تُعرف فقط بثروتها، بل أصبحت تُعرف بالعدل وحسن المعاملة التي يتلقاها كل من يعمل فيها.
كبر الشيخ جاسم في السن، لكنه لم يعد ذلك الرجل الوحيد الذي يذرع الممرات ليلاً بحثاً عن النوم؛ فقد وجد شيئاً لم يستطع المال شراءه قط: عائلة اختارها بقلبه.