في الثالثة فجرا – محمد نور

وبعد زمن طويل، وصلت فتاة جديدة إلى المزرعة.

لم تكن سوى مريم.

لم تعد تلك الفتاة المتعبة الملطخة بالطحين في هزيع الليل؛ بل أصبحت امرأة واثقة، يحاط بها الوقار، وفي يدها كتب وفي عينيها فخر. أتمت دراستها وعادت كمعلمة، وكانت تحمل شهادة تقدير لعملها في تعليم الأطفال في المناطق النائية.

استقبلها الشيخ جاسم عند مدخل الدار. فأخرجت من حقيبتها القلادة العائلية القديمة:

— “احتفظتُ بها طوال هذه السنين.”

ابتسم الشيخ:

— “جدُّكِ سيكون فخوراً بكِ جداً.”

نظرت مريم إلى البيت الكبير الذي دخلته يوماً وهي خائفة:

— “هنا استعدتُ مستقبلي.”

تطلع الشيخ جاسم إلى الأراضي الواسعة من حوله. لسنوات طويلة كان يظن أن أعظم إنجازاته هي امتلاك آلاف الهكتارات، لكنه كان مخطئاً… كان أعظم إنجازاته هو إدراك قيمة فتاة كاد الجميع أن يتجاهلها في الوقت المناسب.

تلك الليلة من عام 1888، عندما وجد مريم تعجن الخبز سرّاً، ظن أنه يكتشف تقصيراً أو خطأً، بينما كان في الحقيقة يكتشف واحدة من أبهى وأعظم قصص التضحية والوفاء التي عرفها.

لأن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليطلبوا المساعدة، بل يأتون ليزرعوا في نفوسنا الفرصة لنكون أشخاصاً أفضل.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *