في الثالثة فجرا – محمد نور

— “ماذا تقصد يا شيخنا؟”

حاولت مريم التحدث:

— “يا أمي، أنا…”

— “هل تنازلتِ عن منحتكِ الدراسية؟”

بكت الفتاة:

— “كان يتوجب عليّ توفير ثمن دوائكِ، لم أكن لأستطيع الرحيل.”

وضعت أمينة يدها على وجهها وهي تنتحب:

— “يا بنيتي، كنتُ أريد لكِ حياة مختلفة عن حياتي.”

— “لا معنى لحياتي إن لم تكوني معي.”

ساد الصمت الغرفة. نظر الشيخ جاسم إليهما وفهم أنه أمام شيء نادر: حبٌ حقيقي ورابطة صادقة.

ثم سألها عن القلادة. أخرجتها مريم ببطء:

— “إنها لجدّي.”

أخذ الشيخ الصورة القديمة الموجودة بداخلها، وشعر أن العالم يتوقف. تذكر الوجه فوراً… إنه وجه “طاهر الحمدان”. رجل عرفه قبل عقود.

أثناء الحروب القديمة، وعندما كان الشيخ جاسم جندياً شاباً، أنقذ طاهر حياته في معركة طاحنة؛ حيث حمله وهو جريح لمسافات طويلة ورفض تركَه للموت. لم ينس الشيخ جاسم ذلك الدين قط، لكنه لم يتخيل أبداً أن عائلة ذلك الرجل البطل ستنتهي بها الحال للعمل في داره.

— “جدُّكِ هو من وهبني الفرصة لأعيش.”

اتسعت عينا أمينة:

— “هل عرفتَ أبي؟”

هز الشيخ جاسم رأسه:

— “كان أشجع رجل عرفته في حياتي.”

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تذكر الشيخ جاسم أن ثروته لم تكن فقط بفضل جهده، بل بفضل رجال أوفياء وقفوا معه حين لم يكن يملك شيئاً.

نظر إلى مريم:

— “غداً ستعودين إلى مقاعد الدراسة.”

هزت رأسها:

— “لا أستطيع.”

— “بل تستطيعين.”

— “لقد انتهت فترة التسجيل.”

ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة:

— “لي معارف في العاصمة، ولي رجال يوصلون مكتوبي أسرع من أي بريد.”

لم تصدق مريم ذلك. لأول مرة منذ أشهر، لم يُطلب منها التضحية بشيء، بل كان هناك من يعيد إليها مستقبلها.

في اليوم التالي، أرسل الشيخ أحد أفضل فرسانه مع الوثائق الرسمية لإعادة قيد مريم. لكن قبل وصول الرد، ظهرت عقبة غير متوقعة.

جاء أبو فهد، مدير أملاكه، إلى المكتب وعلى وجهه القلق:

— “يا شيخنا، هناك من يقول إنك تفضل أمينة وابنتها على باقي العمال.”

رفع الشيخ رأسه بثبات:

— “من يقول ذلك؟”

— “بعض العمال يظنون أن القوانين لم تعد تُطبق.”

لمزيد من القصص الحصرية يمكنكم الانضمام إلى جروبنا الجديد: روايات محمد نور

فهم الشيخ أن مساعدة مريم لن تكون عملية سهلة، ولكنه أدرك شيئاً آخر: بعد سنوات من الاهتمام بالتجارة والأرباح فقط، أصبح مستعداً للدفاع عن شيء أسمى وأهم بكثير… كرامة عائلة قدمت كل شيء دون أن تطلب شيئاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *