جابر – محمد نور

على مدى ثلاثة أعوام، كانت «سميرة» تحمل عشاءها عبر سهول «وادي الزيتون» إلى أرمُلٍ ظنّ أن الحزن قد واراه عن أعين البشر. وفي صباحٍ من أيام سبتمبر، قال لها «جابر» مازحاً إنه لو كان أصغر بعشر سنوات لتزوجها—فأجابته بصوتٍ خافت: «وحتى عشر سنوات لن تكون كافية.» وقبل أن تغرب الشمس، كان رجلٌ آخر يطرق بابها حاملاً الأزهار، ليدرك «جابر» أخيراً ما كان ينتظره على عتبة بيته كل يوم ثلاثاء.

كانت «سميرة» في السابعة والعشرين من عمرها، ممتلئة القوام، مقتدرة، وشديدة الاستقلال. تملك أربعين فداناً عند أطراف الوادي، تدير حساباتها بنفسها، ترعى الماشية، تصلح الأسيجة، وتتجاهل كل جارة تفترض أن امرأة تعيش بمفردها لا بد وأنها تنتظر من ينقذها.

أما «جابر» فكان في الخامسة والخمسين.

قبل ثلاثة أعوام، دفن زوجته «رُقيّة» تحت شجرة الصَفصاف شرق مزرعته. كان المرض قد فرّغ البيت منهما ببطء، تاركاً خلفه كوب قهوة بارداً، ومقعداً لم يلمسه أحد، وصمتاً أليماً كان «جابر» يداريه بالعمل حتى يحلّ الظلام.

كان الناس يصفونه بالقوي.

لكن سميرة رأت الحقيقة.

لاحظت وجبات الطعام التي ينسى تناولها. لاحظت كيف تسترخي كتفاه بإنهاك عندما لا يراه أحد. لذا، كانت تعبر الحقل كل يوم ثلاثاء بحساءٍ دافئ، أو خبز طازج، أو فطيرة—أي شيء تستطيع إعداده قبل أن تبدأ أعمالها الشاقة.

كان «جابر» يقول دائماً: «ما كان عليكِ أن تتعبي نفسكِ.»

فتجيبه «سميرة» كعادتها: «أعلم ذلك.»

ظنّ هو أنها مجرد شهامة جيران.

وظنّت هي أنه الحب.

في سبتمبر ذاك، أثمرت شجرة التفاح القديمة خلف حظيرة «سميرة» أفضل ما عندها منذ سنوات. انتقت أجود الثمار، وأعادت خَبز الفطيرة عندما لم تعجبها المحاولة الأولى، ثم صففت شعرها البني بعناية أكبر من المعتاد، وارتدت ثوبها الكحلي بدلاً من ثوب العمل البني المتسع براحة فوق جسدها الممتلئ.

كان «جابر» يجلس على العتبة عندما وصلت.

نظر إلى الفطيرة.

ثم نظر إليها.

وانفتح في وجهه المرهق شيءٌ دافئ.

ابتسم.

ابتسامة حقيقية.

دافئة، متفاجئة، وكأن الشباب عاد إليه لحظة.

تعثرت دقات قلب «سميرة».

قال ضاحكاً: «لو أنني أصغر بعشر سنوات، لربما توجب عليّ أن أتزوجكِ.»

قالها بخفة ومزاح.

لكن سميرة لم تأخذها كذلِك.

نظرت إلى الشيب في شعره، وإلى الأثر المتبقي قرب إبهامه، وإلى عينيه التعبتين اللتين لم تتخيلا يوماً أنها كانت تمشي نحوه هو، لا لتطعمه فحسب.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *