جابر – محمد نور

أخرجت ورقة قديمة صفراء. كانت رسالة بخط يد زوجته الراحلة «رُقيّة»، كتبتها قبل وفاتها بثلاثة أيام وسلمتها لـ«سميرة»، وطلبت منها ألا تطلع «جابر» عليها إلا إذا طلب هو الزواج من «سميرة».

بدأت «سميرة» تقرأ أسطر الرسالة بصوت يرتجف:

«سميرة العزيزة.. جابر رجل طيب لكنه سينعزل ويدّعي القوة، سينسى طعامه ويغرق في العمل كي يهرب من الحزن. أطلب منكِ رجاءً أن تحضري له الطعام كل يوم ثلاثاء خلال الشتاء الأول فقط بعد رحيلي.. ولكن، لا تجعلي حياتك دواءً لجراحه. إذا بدأ يعتمد عليكِ دون أن يراكِ أنتِ بقلبه، فتوقفي. وإذا أحببته بطريقة تكلفكِ أكثر من الصداقة، فلا تخبريه وهو في ذروة حزنه.. إنكِ تستحقين أفضل من أن تكوني مجرد بديل لي، وجابر يستحق ألا يعيش بقية عمره يظن أن حبه لغيري هو خيانة لي.»

ساد صمت عميق. دمعت عينا «جابر» ولم يستطع الكلام.

تابعت «سميرة» قراءة الأسطر الأخيرة:

«وإذا كنتِ يا سميرة لا تزالين تحملين الطعام لهذا الرجل العنيد بعد انقضاء الربيع.. فأنا أوقن أنكِ تفعلين ذلك لأنكِ تحبينه.»

رفعت «سميرة» رأسها وقالت والدموع على وجنتيها: «العهد مع رُقيّة انتهى منذ عامين ونصف يا جابر.. وما تبع ذلك كان من أجلك أنت، لأنك أبطأ رجل في الوادي!»

جلس «جابر» ووضع رأسه بين يديه، وسقطت عنه أوزان الذنب والحزن التي حملها لسنوات. أدرك أن «رُقيّة» لم تطلب من «سميرة» أن تحل محلها، بل أرادت لهما أن يمنحا الحب وقتاً ليزهر دون إجبار أو شفقة.

في أيلول (سبتمبر) التالي، أُقيم زفافهم عند ظلال شجرة الصفصاف.

لم تتخلَّ «سميرة» عن استقلاليتها أو أراضيها الأربعين؛ بل ظلت تلك المرأة القوية المعتزة بنفسها، وعملا معاً في إدارة المزرعتين.

ومرت السنوات، وشاب شعر «جابر» واكتسى رأس «سميرة» بخيوط الفضة. وفي يوم صيفي، بينما كانا يجلسان في المطبخ وفطيرة التفاح تبرد على النافذة، أعاد «جابر» قراءة رسالة «رُقيّة» القديمة تحت ضوء الشمس، ليلاحظ السطر الأخير المكتوب بخط باهت جداً في طية الورقة الداخلية:

«إذا كانت سميرة لا تزال تجلب لك العشاء بعد كل هذه السنوات يا جابر، فبالله عليك توقف عن شكرها كجار، واسألها عن السبب!»

نظر «جابر» إلى الورقة ثم إلى زوجته وقال باستنكار مازح: «لقد كانت تعلم!»

ضحكت «سميرة» بحرارة وقالت: «كانت تعلم كل شيء حتماً!»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *