جابر – محمد نور

في صباح اليوم التالي، ذهب «جابر» إلى قبر زوجته «رُقيّة» تحت شجرة الصفصاف. جلس هناك طويلاً وقال وهو يغطي وجهه ببراح كفيه: «أظن أنني أحبها.. ولا أعلم إن كان هذا غدراً لذكراكِ.»

لم تمنحه أوراق الشجر جواباً، لكنه تذكر أن «رُقيّة» كانت تكره تردده. هناك، بدأ يفصل بين الحزن والوفاء؛ كان يعلم أنه سيظل يحب «رُقيّة» للأبد، لكن الرحيلة لم تطلب منه قط أن يتوقف عن الحياة.

حلّ احتفال الحصاد في بدايات أكتوبر. ارتدت «سميرة» ثوباً أخضر زمردياً يتناسب مع قوامها الممتلئ وروحها القوية. وحضرت برفقة «سهيل» الذي كان رجلاً نبيلاً ولطيفاً.

لكن المفاجأة كانت عندما دخل «جابر» قاعة الاحتفال بمفرده، يرتدي عباءة سوداء أنيقة وقميصاً أبيض ناصعاً. هو الذي كان يكره التجمعات ولا يحضرها إلا في الجنازات.

عندما طلب «جابر» من «سميرة» أن يرقصا أو يتحدثا، رفضت بهدوء وقار، فتقبل «جابر» رفضها برحابة صدر ودون جدال. لاحظ «سهيل» ذلك، وفي وقت لاحق من الليلة، انفرد بـ«جابر» خارج القاعة وقال له بصراحة: «إنها لا تنظر إليّ بنفس الطريقة التي تنظر بها إليك عبر الحقل كل يوم ثلاثاء. إن كنت تريدها حقاً، فقرر إن كنت تريدها هي.. لا لمجرد أن تملأ فراغ بيتك.»

في الشهر التالي، لم يتقدم «جابر» بطلب يدها فوراً، ولم يمطرها بالوعود، بل بدأ يظهر في حياتها بصدق وعمل ملموس. حين انهار سور أرضها الشمالي بسبب الأمطار الغزيرة، جاء بأسلابه وأدواته ليساعدها. وعندما مرضت إحدى شياهها، طرق بابها يطلب مساعدتها ويتعلم منها. تغيرت علاقتهما بالتدريج؛ لم تعد قائمة على الشفقة، بل على العمل والشراكة والثقة.

وفي صباح يوم من أيام كانون الأول (ديسمبر)، والثلج يغطي مراعي الوادي، استيقظت «سميرة» ووجدت نفسها تطبخ قدر حساء دافئ. عبَرَت الثلج وحملته إلى بيته.

فتح «جابر» الباب قبل أن تطرقه.

نظر إلى الطبق ثم إليها وقال: «ما كان عليكِ أن تتعبي نفسكِ.»

دَمَعت عينا «سميرة» وقالت: «أعلم ذلك.»

دخلت البيت لتجد أنه لم يعد ضريحاً للماضي؛ كانت مقتنيات «رُقيّة» لا تزال موجودة احتراماً لذكرادها، لكن النوافذ كانت مفتوحة، وهناك كتب جديدة، ودفء يسري في أرجائه.

جلست «سميرة» على الطاولة وأخرجت علبة خشبية صغيرة، وقالت بصوت متهدج: «هناك شيء عن أيام الثلاثاء لا تعرفه يا جابر.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *