جابر – محمد نور
قالت بصوتٍ هادئ: «حتى عشر سنوات لن تكون كافية.»
تلاشت ابتسامته.
وخيّم الصمت على المكان.
وضعت «سميرة» الفطيرة على حاجز العتبة وعادت إلى بيتها قبل أن تخونها شجاعتها.
في ذلك العصر، وصل «سهيل» إلى بوابتها حاملاً أزهاراً جلبها خصيصاً من المدينة.
كان «سهيل» وسيمًا، ميسور الحال، وقريباً من سنّ «سميرة»، وهو الرجل الذي أجمع أهل الوادي على أنه الخيار الأمثل لها.
بعد أسبوعين، سمع «جابر» رجالاً في السوق يقولون إن «سهيل» دعا «سميرة» إلى احتفال الحصاد.
قال أحدهم: «الأمر شبه محسوم.»
حمّل «جابر» عربته دون أن ينبس ببنت شفة.
لكنه حين عاد إلى مزرعته، وقف بمفرده في المطبخ يحدق في طبق الفطيرة الفارغ، وادرك الحقيقة أخيراً.
على مدى ثلاثة أعوام، كان الحب يعبر حقله كل يوم ثلاثاء.
وهو كان يشكره كما يشكر أي جار.
مع اقتراب المغرب، لم يعد «جابر» يطيق فكرة خسارتها.
عبر المرعى ووجد «سميرة» تصلح السور الفاصل بين أراضيهما، قد شمرت عن ساعديها وتعمل يداها القويتان بثبات على الأسلاك.
توقف عند السور.
وأطبقت أصابعه على الخشب العتيق.
«سميرة.»
لم تلتفت.
ليس بعد.
ربما لأنها كانت تعرف بالفعل سبب مجيئه.
أو ربما لأنها لو نظرت إليه الآن، لانكسر كل شيء ظلت تحميه داخلها طوال ثلاثة أعوام.
الجزء الثاني
توقفت «سميرة» عند السياح تصلح الأسلاك القوية بيديها، حين ترقبت أذناها صهيل جواد يقترب بخطى حثيثة.
التفت «جابر» ليرى «سهيل» يقترب على ظهر فرسه؛ ذاك الشاب الوسيم الميسور الذي أجمع أهل «وادي الزيتون» على أنه الخيار الأنسب لـ«سميرة». ولأول مرة منذ أن دفن زوجته، أدرك «جابر» أن الحزن لم يحمِ قلبه إطلاقاً، بل كان يعلمه فقط كيف يخسر الأشياء مرتين.
توقف «سهيل» ونظر إلى الملامح المشدودة بينهما. ساد صمت ثقيل، قبل أن تتدخل «سميرة» لتنهي الموقف بكلمات جافة وقاطعة، ثم جمعت أدواتها وقررت العودة إلى بيتها، تاركة «جابر» يقف عند السور حتى غابت الشمس، يعصر قلبه الندم والندم.
في يوم الثلاثاء التالي، لم تأتِ «سميرة».
انتظرها «جابر» عند الظهيرة، ثم في العصر، وعند المغرب أكل بعض الفطائر الباردة التي لم يكن لها أي طعم. وفي الثلاثاء الذي تلاه، لم تأتِ أيضاً. حينها فقط أدرك «جابر» كيف يمكن لعادة بسيطة أن تصبح ركناً أساسياً في الحياة؛ لم يكن ينتظر الطعام، بل كان ينتظر وقع خطواتها، وطريقتها الحازمة في الكلام، والدفء الذي تتركه في أرجاء المنزل بعد رحيلها.