طلب الطلاق – محمد نور

وصل الأمر للصحافة ونشروا صورة قريبة لقبر يوسف، مما جعلني أشعر بالانتهاك. ذهبتُ إلى القبر لأول مرة منذ فترة، وهناك وجدت باقة زهور بيضاء وبطاقة مكتوب عليها “أسف” بخط طارق. مزقت البطاقة وجلست عند القبر:

— مرحباً يوسف… أنا أتطلق الآن. حاولت أن أعيش كما طلبت مني، لكنني خلطت بين العيش والتحمل. واليوم، أريد أيضاً أن أسمح لك بالرحيل من قلبي كي أبدأ حياتي.

عند عودتي للشقة، وجدت والد يوسف (أبو يوسف) بانتظاري. سلمني رسالة قديمة من أمي كانت قد تركتها لديه لتسلم لي بعد خروجي من ذلك البيت. كتبَت لي أمي في الرسالة: “يا سارة، سامحيني لأنني سمحت لكِ بالتضحية بنفسك من أجلي. لا ترهني حياتك لأحد، العيش بسلام لا يعني البقاء أسيرة للمواقف القديمة، بل يعني أن تختاري نفسك”.

كما سلمني أبو يوسف وثيقة لمنزل صغير بجانب البحيرة كان يوسف قد ترك مبلغه في حساب قديم قبل وفاته وصار ملكي، لكنني رفضت استلامه حتى لا أظل يعيش داخل وعد لم يتحقق، فابتسم وقال إن يوسف كان سيفخر بردي.

بعد أسبوع، حضرتُ اجتماع مجلس إدارة شركة طارق بصفتي صاحبة الأسهم التي ورثتها عن أبي. كانت شركة طارق تمر بأزمة بسبب الفضيحة، وكان بحاجة لصوتي لتمرير صفقة معينة. لكنني بعد دراسة الأرقام، صوّتُّ ضد الصفقة لأنها كانت خاسرة ومبالغاً في قيمتها.

اندهش طارق من تحليلي المالي، وحين سألني: “لماذا لم تخبريني أنكِ تفهمين في إدارة الأعمال؟”، أجبتُ: “لأنك لم تسألني يوماً”.

تلك الجملة جعلته يدرك حجم غيابه. وفي اليوم التالي، وقّع أوراق الطلاق ودون أن يطلب قرشاً واحداً أو ينازع في الحقوق، بل ترك لي حصة عادلة.

خرجتُ من المحكمة وحصلت على وثيقة طلاقي رسمياً. شعرتُ بالخفة، وكأن جبالاً أزيحت عن صدري.

مرت الأيام، وعدتُ للدراسة، ثم أسستُ صندوقاً استثمارياًصغيراً لدعم المشاريع التي تديرها النساء، وشاركتني أميرة فيه. وبعد أشهر نجح الصندوق وأصبحتُ مستثمرة معروفة. أما طارق، فقد فصل خديجة بعدما تبين أنها هي من سرّبت الصور للصحافة، وترك منصبه لستة أشهر ثم عاد ليرتب شركته من جديد.

في أحد الأيام، زارني طارق في مكتبي. كان يبدو أكبر سناً وتغيراً. وضع خاتم زواجنا القديم وقال: “سأبيعه وأتبرع بثمنه لجمعية مكافحة السرطان (المرض الذي توفيت به أمك). لا أطلب منكِ المسامحة، لكنني أردتكِ أن تعرفي أنني لم أفقد زواجنا عندما ظهرت خديجة… بل فقدته منذ اليوم الأول الذي اخترتُ فيه ألا أكون موجوداً”. ثم رحل ولم يعد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *