الرحيل – محمد نور

تنفسّت.

كانت رائحة الهواء تضم عبق العشب المبلل والأرض النظيفة.

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تكن فيه رائحة الخوف.

بدأت أسير في الشارع الخصوصي بخفّي القديم.

وعندما مررت بكشك حراسة المجمع، رفع الحارس الشاب رأسه وتجمد في مكانه.

— «سيدة الشافعي… هل أنتِ بخير؟»

ابتسمت بهدوء.

— «سأخرج لبرهة.»

لم أشرح شيئًا.

عبرت بوابة الحي السكني ووقفت على حافة الشارع الرئيسي.

كانت السيارات تمرّ تباعًا.

عدَدتُ في سري.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

عند الرقم سبعة، توقفت سيارة سوداء فخمة أمامي.

انخفضت النافذة.

أزاح أخي، يوسف، نضارته السوداء.

وحين رآني بثوب النوم والخف وفارغة اليدين، تجهّم وجهه بالكامل.

— «اركبي.»

صعدت إلى السيارة.

كان التكييف باردًا، فاقشعرّت ذراعيّ.

لم يتحرك يوسف فورًا.

— «أترككِ تخرجين هكذا؟»

— «نعم.»

— «وهاتفكِ؟»

— «أخذه.»

— «محفظتكِ؟ مفاتيحكِ؟ هويتكِ؟»

نظرت عبر النافذة.

— «لم أحضر شيئًا. قال إن أملاك عائلة الشافعي لا تخرج من ذلك البيت.»

ضرب يوسف عجلة القيادة بقوة حتى انطلق آلة التنبيه.

— «يا له من ندل! سأعود الآن فورًا!»

حاول فتح الباب.

— «يوسف،» ناديته.

توقف.

— «لا تذهب.»

— «كيف لا أذهب؟ بأي حق أهانكِ هكذا؟»

نظرت إليه.

ولأول مرة في ذلك الصباح، شعرت بغصّة في أقصى حلقي.

لكنني لم أبكِ.

— «أنا جائعة،» قلت بصوت خفيض. «هل يمكننا أن نذهب للغداء أولًا؟»

انكسرت كل الجاهلية والفورة في وجه أخي.

نظر إليّ لثوانٍ بعينين محمرّتين.

ثم أخذ نفسًا عميقًا وشغّل المحرك.

— «ماذا تريدين أن تأكلي؟»

— «المطعم القديم في الحارة… هل ما زال مفتوحًا؟»

ضغط يوسف على شفتيه.

— «نعم. صاحب المكان نفسه.»

— «إذاً أريد ذلك.»

أغلقت عينيّ.

وبينما كانت السيارة تبتعد، كان هاتفي، وملابسي، وهويتي، ومكاني كزوجة، يبتعدون خلفي.

ظن طارق أنه طردني بلا شيء.

لكنه نسي شيئًا واحدًا.

أحيانًا، عندما ترحل المرأة وهي فارغة اليدين، يكون ذلك لأنها أخذت معها أغلى ما تملك: حريتها.

بعد ثلاثة أيام، فتح طارق خزانتي ليرسخ البحث عن أوراق البيت.

فوجدها فارغة تمامًا.

فتح طارق أبواب الخزانة وتجمد في مكانه.

لم تكن هناك فساتين.

ولا أحذية.

ولا حقائب.

ولا صناديق.

لاشيء.

— «يا حنين!»

جاءت أخته تركض.

— «ما الأمر؟»

أشار طارق إلى الداخل.

— «أين أشيائها؟»

قطبت حنين حاجبيها.

— «أنت من طردتها.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *