صرخة في العاصفة – محمد نور

في ذلك المساء، اكتشفت مريم أنه يجهز حصانه، فشعرت بغصة في صدرها. طوال أيام كانت تتخيل أنها بالوصول للقرية ستستعيد الأمان، ولكن حدث العكس. كانت النساء اللاتي يزرنها يتحدثن عن العودة أو البحث عن رجل يتكفل بتربية عمر، وكان كل ذلك يبدو لها كأنه سجن آخر.

وجدت سليمان في الإسطبل يربط حبال السرج:

— هل ستغادر؟

— نعم.

— اليوم؟

— الطقس يتغير.

وقفت مريم عند المدخل تحمل عمر وتضع معطف سليمان الكبير على كتفيها:

— لن أعود إلى بلدي.

— لم أسألكِ.

— والدي قطع علاقته بي عندما تزوجت طارق، وأهل زوجيز يحتقرونني، وهنا الجميع ينظر إلي كأنني أنتظر من ينقذني.

— كنتِ على وشك الموت قبل أسبوع.

— ولكنني لم أمُت.

رفع سليمان عينيه، فخطت مريم نحوه:

— أنا من أنجبت عمر وأحضرته إلى هذا العالم.

— وكسرتِ أصابعي تقريبًا أثناء الولادة.

— هذا يثبت كلامي.

أطلق سليمان ضحكة قصيرة، فتنفسَت مريم بعمق وقالت:

— طارق كان يريد أرضًا وبيتاً ملكًا لنا، وأنا لا أزال أريد ذلك.

— الجبل لا يرحم الأمنيّات.

— إذن سأتعلّم.

— لديكِ طفل حديث الولادة.

— ولهذا السبب أحتاج أن أتعلّم أسرع.

هز سليمان رأسه:

— أنتِ لا تعرفين الصيد.

— علمني.

— لا تعرفين استخدام البندقية.

— علمني.

— لا تعرفين قراءة العواصف.

— علمني.

أنزل سليمان الحبل من يديه ببطء وقال:

— ماذا تطلبين يا مريم؟

نظرت إلى عمر وقالت:

— هناك أراضٍ قرب التلال أستطيع شراءها بما تبدّد من مدخرات طارق، أريد بناء بيت لا يسمح لابني أبداً أن يسمع فيه أنه موجود بفضل إحسان أحد.

صمت سليمان، فتابعت مريم:

— لا أطلب منك أن تكون زوجي، ولا أن تحل محل طارق.. أطلب منك فقط أن تبقى وقتًا كافيًا لتعلمني كيف أبقى على قيد الحياة.

— هذا قد يستغرق سنوات.

— لديّ سنوات.

التفت سليمان بنظره نحو الجبال. لقد عاش بمفرده لـ10 سنوات وكان يقول إن الجبال لا تكذب، ولكن لأول مرة بدا له العودة بمفرده فضاءً فارغاً وليس حرية.

نظر إلى مريم؛ لم تعد تلك المرأة المذعورة في البيت المهجور، لقد خسرت زوجها، وواجهت الولادة، وعبرت الثلج مع رضيعها، ورفضت مال عائلة أرادت شراء صمتها.

أمسك سليمان بياقة معطفه وعدلها حول عمر بحرص وقال:

— ستحتاجين إلى بيت بأساسات مرتفعة.

شعرت مريم ببعض الارتياح يتسلل إليها:

— إذن ستعلمني.

— وقبو لتخزين الطعام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *