قصة البقرة – محمد نور
صنع التاجر أبو رامي وجها متبرما:
— كل هذه الأوراق من أجل حيوان لا يريده أحد!
وافق الحاج إسماعيل، حداد القرية، على التوقيع كشاهد.
طوت مريم الورقة وحفظتها جيدا.
ثم أمسكت بالحبل:
— هيا بنا يا غدا.
ضحك فاروق:
— غدا؟
— نعم، هذا اسمها.
جاء الاسم من ذكريات عمتها أمينة، التي قضت مريم معها عدة مواسم في صناعة الأجبان. كانت عمتها تكرر دائما أن المرء عندما يملك القليل، عليه أن يعتني أولا بما يمكن أن يطعم الغد.
خلال الأسبوع الأول، بدا وكأن فاروق كان على حق.
أكلت “غدا”.
وظلت تأكل.
كان كوم القش يتناقص بسرعة تخيف القلب. خلطت مريم العلف المتاح بالتبن، وجمعت حشائش جافة من كل مكان، وعملت نصف يوم في ترتيب الحطب بمزرعة مجاورة مقابل حزمتين من العلف.
وفي الليل، كانت تدون كل شيء في دفتر صغير: الطعام، الماء، النظافة، الشهية، حالة الضرع.
لم يكن هناك حليب بعد.
ولم يكن هناك جبن.
فقط مصاريف.
جاء فاروق في أسبوع آخر:
— تقول أمي إنه يجب عليك القدوم للعيش معنا.
— لا.
— تقول إن هذا البيت كثير عليك وحدك.
فهمت مريم جيدا ما لم يقله صراحة.
لم تكن أم سليم قد قبلت يوما أن يبقى البيت في يد زوجة ابنها.
— هذا بيتي أنا أيضا.
— كان بيت أخي.
— بنيناه معا.
أشار فاروق إلى “غدا”:
— أهدرت المال أولا، ثم ستأتين لطلب المساعدة منا.
— عندما أطلبها، يمكنك حينها أن ترفض.
انصرف فاروق غاضبا.
في تلك الليلة، فتحت مريم صندوقا قديما وحصلت على مصفاة الحليب، والقالب الخشبي، ومقياس الحرارة التي كانت لعمتها أمينة.
نظفت الأغراض جيدا.
لم تكن تعلم بعد إن كانت ستتاح لها فرصة استخدامها.
بعد أسبوعين، بدأت “غدا” تضطرب. كانت تمشي بجوار السياج، تستلقي ثم تقوم. امتلأ الضرع واسترتخ العضلات.
ووصلت أول موجة برد قارص في الفجر.
أدخلت مريم البقرة إلى العشة، وفرشت القش الجاف، وعلقة مصباحا.
بدأ المخاض ثم توقف المفاجئ.
فحصت مريم الأمر بعناية.
رأت قدمين أمامیصین.
لكنها لم تجد الرأس في مكانه الصحيح.
تحركت طفلتها في بطنها بقوة بينما كانت البقرة تأن وتحاول الدفع مجددا.
تذكرت مريم يدي عمتها أمينة.
لا يجب السحب.
ليس الآن.
انتظرت انقباضة جديدة.
ثم أدخلت يدها بحذر، ووجدت خطم العجل ملتفتا إلى الجانب، فبدأت تعديل موضعه ببطء.
ارتجفت البقرة.
دَفعة أخرى.
دخل الرأس في الموضع الصحيح.