قصة البقرة – محمد نور
وهزت فاطمة رأسها:
— أبدا.
لم يكن هناك عناق، ليس بعد.
لكن كان هناك مقعد قرب الموقد.
أحيانا، هكذا تبدأ المصالحة.
مرت السنوات.
أصبحت “غدا” أصل حظيرة صغيرة للبن. كبرت عجرفتها الأولى وأنجبت أخرى، وتوسعت العشة، وحصل القبو على سقف أقوى ومصارف أفضل ورفوف جديدة.
لم تفتح مريم مصنعا كبيرا، لم تكن تريد ذلك.
بل بنت شيئا يعادل لديها أكثر: حياة تستطيع إدارة أمورها فيها دون استئذان أحد.
بدأ جبنها يباع في الأسواق المجاورة والبلدات القريبة، وتعلمت عائلات عديدة طريقتها في حفظ الحليب خلال الأشهر الصعبة.
بنى عمي إسماعيل قبوا خاصا به.
وحجز عمي رامي ركنا في دكانه لأجبان الشتاء.
وأما فاروق، فاستغرق نحو سنتين ليعود للحديث مع مريم دون شجار.
وعندما فعلها أخيرا، جاء يحمل خشبا لإصلاح باب مكسور.
— لم آتِ لأعلمكِ ما تفعلين.
رفعت مريم حاجبها:
— هذا تقدم ملحوظ.
فابتسم خجلا.
بعد زمن طويل، وقفت نور بجانب أمها أمام وعاء حليب دافئ.
لم تعطها مريم تعليمات، بل غمست الفتاة إصبعا نظيفا في الخثرة، واختبرت قوامها، وانتظرت.
كانت الأم تراقب.
أجرت نور قطعا صغيرا.
ممتاز.
وهزت مريم رأسها استحسانا.
على رف في القبو، ما زال إيصال شراء “غدا” القديم محفوظا بين لوحين من الخشب.
198 جنيها.
بقرة كانت في طريقها للمسلخ.
أرملة حامل اتهمها الجميع بالطيش.
قالبان من الجبن تلفا من الحرارة.
وآخران فسدا من الرطوبة.
وقبو أعيد بناؤه بعد الفشل.
ودين كاد يذهب بكل شيء.
لم يكن أي من ذلك يبدو قصة نجاح أثناء حدوثه.
كان يبدو جوعا، وخوفا، وأخطاءً، وأياما أطول من اللازم.
لكن “غدا” حولت حشائش الأرض إلى حليب.
ومريم حولت الحليب إلى طعام.
والأخطاء تحولت إلى خبرة.
والخبرة سدت رمق عائلات أخرى حين أغلقت الثلوج الطرق.
وبعد سنوات، حين كان يسألها أحد كيف بدأت القصة، لم تكن مريم تتحدث عن الجبن أولا، بل تشير إلى ذلك الإيصال الأصفر.
لأن حياتها تغيرت في اليوم الذي نظر فيه الجميع إلى بقرة هزيلة فرأوا خسارة… بينما قررت هي، دون أي ضمان بالنجاح، أن ترى فيها غدا.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد