قصة البقرة – محمد نور
وضعت مريم آخر 198 جنيها في جيبها على حاجز الحظيرة وسط ضحكات الرجال من البقرة الخافض التي اشترتها للتو، بينما كان سلفها يصرخ في وجهها ويتهمها بأنها تظلم طفلها القادم وتسوقه إلى الجوع.
كانت في الواحدة والثلاثين من عمرها، حاملا في شهرها السابع، ولم يمر على ترملها سوى ثلاثة أسابيع. رحل زوجها سليم بعدما أصيب بجرح من سلك صدئ أثناء إصلاحه سياجا في إحدى المزارع. وفي أقل من ستة أيام، خطفته حمى لم يظن أحد أنها خطيرة، ممتدا غيابه عن البيت الطيني الصغير الذي انتظرا فيه معا قدوم طفلتهما الأولى.
لم يتبق من سليم سوى حذاء عند الباب، وأدوات عمل متآكلة، وكوبين من المعدن، وعشة صغيرة، ودين لم تستوعب مريم تفاصيله بعد.
كما تبقى أيضا 211 جنيها.
كان ذلك كل ما تملكه.
في صباح ذلك اليوم، ذهبت إلى سوق الماشية لتبادل أعمال الخياطة وغسيل الملابس بقليل من الطحين والعدس والزيت. وهناك أبصرت البقرة.
كانت البقرة ذات لون بني مائل للحمرة، تحمل بقعة بيضاء تحت عنقها وقطعا صغيرا في أذنها اليمنى. كانت هزيلة للغاية حتى كادت عظامها تبرز من جلدها، وكانت إحدى قدميها الخلفيتين ترتجف، فيما ظهرت على ضرعها آثار التهاب قديم.
كان التاجر أبو رامي يستعد لإرسالها إلى المسلخ وهو يقول:
— هذه البقرة لن تعيش حتى الشهر القادم.
فحصت مريم أسنانها وحوافرها وعينيها ونفسها، ثم لمست ظهرها وضرعها.
تحركت البقرة بعدم راحة، لكنها لم ترفس.
وعندما ابتعدت مريم، مد الحيوان عنقه وليسد يدها ببطء.
عندها اتخذت مريم قرارها.
— بكم هذه؟
ضحك التاجر أبو رامي بسخرية:
— لا تقولي إنك تفكرين في شرائها!
— بكم؟
كان السعر مع المصاريف 198 جنيها.
سمع سلفها، فاروق، المحادثة وكان يساوم على عجول في حظيرة مجاورة، فجاء غاضبا:
— هل جننت؟ لم يمر على وفاة سليم إلا أسابيع قليلة، وأنت تضيعين آخر ما تركه!
لم تخفض مريم رأسها:
— المال سينتهي أيضا لو احتفظت به في الجيب.
— وعندما تولد البنت، ماذا تطعمينها؟ جبنا من الخيال؟
ضحك بعض الرجال المتواجدين.
شعرت مريم بوقع الكلمات يكتوي في صدرها أشعل من البرد، لكنها أخرجت المال.
وقبل أن تسلمه، طلبت إيصالا مفصلا. أصرت على أن يكتبوا التاريخ والسعر واللون والبقعة البيضاء والقطع في الأذن والعلامة القديمة على فخذها، وأن تذكر الورقة صراحة أنها مباعة وهي خافض.