والدة الاقطاعي – محمد نور
أثار هذا الرد غضب رفيق، فمنذ سنوات لم يجرؤ أحد على الحديث معه بهذه الطريقة.
— أمامك حتى هذا المساء.
دخلت رحاب المطبخ المليء بالأجبان المستوردة وقطع اللحوم الفاخرة والمعلبات الثمينة التي طلبها الطباخون السابقون، فلم تمس شيئاً منها. بل بحثت حتى وجدت عدساً، وثوم أصلي، وكوسة، وجريش قمح، وكزبرة طازجة، وصاج حديد قديم.
أشعلت الحطب.
وبعد فترة وجيزة، بدأت رائحة بسيطة دافئة تنتشر في أرجاء البيت: رائحة خبز الصاج الفواح، وعدس مسبك بنكهة زكية، وحساء جريش خفيف.
وقفت إحدى العاملات وتدعى “فاطمة” مشدوهة عند الباب وقالت:
— هذه الرائحة تشبه تماماً ما كانت تطبخه الحاجة قديماً!
لم ترد رحاب، بل غرفت كمية صغيرة في طبق فخاري قديم وجدته في زاوية الخزانة.
صعدت إلى غرفة أمينة. لم تفتح الستائر ولم تلح عليها لكي تأكل، بل جلست بجانب السرير وبدأتحدثها بصوت هادئ كيف كانت جدتها تقول إن رغيف الخبز عندما ينتفخ على النار فهو دليل على أن البيت ما زال ينبض بالخير ويستبشر بالضيوف.
فتحت العجوز عينيها وقالت:
— أمي كانت تقول الشيء نفسه.
كانت هذه أول جملة كاملة تنطق بها منذ أيام.
قربت رحاب ملعقة الحساء إليها وقالت:
— إذن يبدو أن أمك وجدتي كانتا ستصبحان صديقتين حميمتين.
تذوقت أمينة طرف الملعقة، ثم أخذت ثانية.. وثالثة.
وعندما نزلت رحاب بالطبق الفارغ، وقف رفيق يحدق به وكأنه يرى معجزة لا تصدق:
— ماذا قدمتِ لها؟
— طعاماً ذكرها بأسرتها وبمن كانت عليه قبل أن تفقد كل شيء.
— أنتِ لا تعرفين شيئاً عما فقدته!
ردت رحاب وهي تنظر في عينيه مباشرة:
— ربما أنت أيضاً لا تعرف كل ما فقدَته هي.
كاد رفيق أن يجيب بغضب لولا صوت خطى مضطربة رن من الأعلى.
كانت الحاجة أمينة تقف عند شرفة السلم، ترتجف ومتمسكة بالحاجز الخشبي.
قالت بصوت قاطع هز أركان البيت:
— رفيق.. إن كانت هذه الفتاة ستستمر هنا، فهناك أمر يتوجب عليك إخبارها به.. سر يتعلق بليلة الحريق تخفيه منذ سبع سنوات!
شحب وجه رفيق تماماً.
الجزء الثاني
كان الصمت الذي أعقب ذلك أشد ثقلاً من أي صراخ. أمر “رفيق” جميع العمال بالانصراف، ثم صعد ليساعد والدته، لكن الحاجة أمينة رفضت قائلاً:
— لا تحاول إخفائي مجدداً.
همت “رحاب” بالانسحاب، إلا أن العجوز أمسكت بيدها بقوة:
— أنتِ من أعدتِ إليّ رغبتي في الحياة.. والآن ستسمعين السبب الذي جعلني أربض في فراشي.