والدة الاقطاعي – محمد نور
انهار سالم عندما نادته أمينة باسمه:
— أنت كنت مع هشام في تلك الليلة!
بكى سالم واعترف بكل شيء: قبل سبع سنوات، دفعت له عائلة السعدي مبلغاً لإحراق مخزن العلف لإخافة العائلة وإجبارها على بيع الأرض، ولم تكن النية قتل أحد، غير أن الرياح نقلت النيران للحظائر وسقط الأب وهشام في الفاجعة. وظل سالم صامتاً طوال سنوات مقابل مبالغ مالية متقطعة.
أما الخطة الثانية فكانت بعيدة المدى؛ استغلت نعيمة حالة الحزن لدى أمينة وتظاهرت بالحرص عليها، فكانت تدس لها قطرات تحتوي على مخدر يسبب الخمول وفقدان الشهية لتسريع موتها وإضعاف موقف رفيق، ثم تلبيس التهمة لرحاب لتخلو الساحة لهم مجدداً.
وصلت جهات التحقيق ورجال الشرطة الإقليمية بناءً على التسجيلات والشهادات، وتم اقتاد توفيق ونعيمة وسالم إلى المركز للتحقيق في قضايا إضرام النار والتزوير والتآمر.
عندما غادرت السيارات المزرعة، لم يصفق أحد.
كانت أمينة تبكي، فجلس رفيق على ركبتيه أمامها وقال:
— سامحيني يا أمي.. ظننت أن كتمان الأمر يحميكِ.
أمسكت وجنتيه بكفيها وقالت:
— أسامحك بشرط أن تفهم أن العائلات لا تُحمى بكيّ الجراح وإخفاء الحقيقة تحت السجادة.
التفت رفيق نحو رحاب التي كانت تقف عند باب المطبخ والدموع في عينيها وقال:
— وأنتِ.. أظن أنني أدين لكِ بأكثر من اعتذار.
ردت بثبات مبتسمة:
— بل تدين لي بأجري كاملاً!
ضحك رفيق من قلبه لأول مرة منذ سنين وقال:
— مع الفوائد أيضاً.
دارت الأيام وتغيرت معالم “مزرعة النخيل”. عادت أمينة تجلس أمام صاج الخبز لتعلم رحاب أسرار الطهي القديم، وأعيد فتح النوافذ واجتمعت العائلة على المائدة مجدداً.
اقترحت رحاب تحويل جزء من المستودع القديم إلى مطعم صغير يستقبل عابري السبيل وأهل القرى المجاورات لتقديم الوجبات الشعبية ومنتجات المزرعة. وافق رفيق بشرط واحد:
— أنتِ من تديرين المكان كلياً.
فقالت ضاحكة:
— أخيراً تعلمت الدرس!
نجح المشروع وأصبح مقصداً للعائلات. وكانت أمينة تقول للزوار بفخر:
— رحاب لم تعالجني بالسحر.. بل أعادت تذكيري بأن لي مكاناً ينتظرني على المائدة.
ومع الوقت، نمت بين رفيق ورحاب رابطة متينة. كف عن معاملتها كعاملة، فيما تمسكت هي باستقلاليتها وكرامتها.
وبعد مرور عام كامل، أخذها رفيق إلى تلة تطل على المزرعة وقدم لها خاتماً قديماً كان لوالدته وقال: