والدة الاقطاعي – محمد نور

رضخ رفيق وانتهى به الأمر إلى الاعتراف بالسر الذي كتمه لسبع سنوات. في ليلة الحريق، نشب شجار حاد بين “هشام” وأبيه من جهة، وبين رفيق من جهة أخرى، بسبب عرض قدمه “توفيق السعدي”—صاحب المزرعة المجاورة—لشراء قطعة أرض من “مزرعة النخيل”، كانت تضم نبع ماء قديم يغذي الماشية في أيام الجفاف.

كان هشام يؤكد أن توفيق يستغل ديوناً وهمية للضغط على العائلة، في حين كان رفيق متعباً من الخلافات وطالب الجميع بالتوقف عن اختلاق الأعداء. وبعد ساعات قليلة، اندلعت النيران، فهرع الأب وهشام إلى الحظائر لإنقاذ الماشية ولم يخرجا منها أبداً.

وفي صبيحة اليوم التالي، عثر رفيق بين الأنقاض على قطعة قماش مشبعة بالوقود قرب الباب الخلفي.

سألته رحاب بدهشة:

— ولمَ لم تبلغ الشرطة؟

أجاب برأس منكس:

— كان رئيس المخفر صديقاً شخصياً لتوفيق، ولم تكن لدي أدلة قاطعة.

نظرت إليه أمينة بألم دفين:

— لكن كانت لديك أم تُحضر لها الفاجعة كل يوم وكان من حقها أن تعرف الحقيقة.

خفض رفيق رأسه؛ فقد كان يعتقد طوال سنوات أن كتمان الأمر يحمي والدته من شكوك لا سبيل لإثباتها، غير أن هذا الصمت كان بالنسبة لها خذلاناً وموتاً بطيئاً.

لم تحاول رحاب تجميل الموقف، بل قالت بهدوء:

— الذين رحلوا لن يعودوا بطلب العدالة.. لكن الأحياء يستطيعون التوقف عن جلد أنفسهم.

منذ ذلك اليوم، بدأت علامات الحياة تتسلل إلى المزرعة. أصبحت الحاجة أمينة تتناول وجباتها الثلاث بانتظام، وتطلب أطباقاً شعبية قديمة: جريش بالثوم، وكوسة محشوة، وخبيزة بالزيت، وخبز صاج دافئ. استردت العجوز عافيتها حتى باتت تجلس في الإيوان، وبعد أسابيع أصبحت تتجول في الفناء مستندة على عصاها.

أما رفيق فقد تبدلت طباعه؛ كف عن الصراخ في وجه العمال، وعاد للجلوس على مائدة الطعام، وبات يتردد على المطبخ بأعذار واهية:

— جئت لأتفقد الحطب.

ترد رحاب:

— تفقدته بالأمس.

فيجيبها:

— أردت التأكد فقط من أنه ما زال حطباً!

تطلق رحاب ضحكة دافئة، بينما تراقبهما أمينة من الباب بابتسامة يداريها رفيق الخجل.

انتشر خبر شفاء العجوز في القرية، ومع شفاؤها بدأت الشائعات تروج.

بدأت “نعيمة السعدي”، شقيقة توفيق، تشيع بين الناس أن رحاب سحرت الحاجة أمينة، وأنها تخطط للزواج من رفيق للاستحواذ على المزرعة. كانت تكرر في السوق والجمعيات أن فتاة غريبة بلا أصل لا يمكن أن تدخل فقيرة وتصبح سيدة المكان دون غاية خبيثة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *