عودة من أجل الأهل – محمد نور
خلال الأسابيع التالية، راجع المحامي الحسابات، واستُرجع جزء من الأموال. وأُبطل التفويض المزيف بعد أن أثبت الخبير التزوير.
استعاد أبو فيصل وأم فيصل بطاقاتهما، ومفاتيح البيت، وجناحهما الرئيسي.
ولم يكن أول عمل قام به الأب تغيير القفول، بل سحب كرسي خشبي قديم كان قد صنعه بيده عندما كان فيصل في التاسعة من عمره وكان مركوناً في الممر؛ سحبه وضعه أمام نافذة المجلس وجلس عليه، وأتت أم فيصل بالقهوة له.
شاهدهما فيصل دون أن ينبس بكلمة.
وفي اليوم التالي عرض عليهما الانتقال معه إلى دبي؛ حيث الغرف الواسعة والأطباء والخدمة.
ابتسمت الأم وقالت: “لا.”
ظن فيصل أنه لم يسمع جيداً: “أمي، بعد كل ما حدث؟”
— بالذات بعد كل ما حدث… نريد أن نقرر نحن بأنفسنا.
وافقها الأب:
— لا نحتاج ابناً آخر ينظم حياتنا، بل نحتاج أبناءً يشاركوننا إياها.
خفض فيصل رأسه؛ كان قد عاد وهو يظن أنه سيخلصهم، وكاد يقع في الفخ نفسه من الجهة المقابلة: أن يقرر نيابة عنهم لأنه يظن أنه يعرف الأفضل.
بقي أسبوعاً آخر في الرياض، ليس للإشراف، بل ليستمع فقط.
بعد 3 أشهر، ظهر خالد عند باب البيت. لم يطلب العودة للعيش، ولم يطلب التنازل عن الشكاوى. كان يحمل معه طاولة خشبية صغيرة قام بترميمها، وهي قطعة قديمة من ورشة أبيه كان يظنها ضائعة.
قال: “صلحتها.”
مرر الأب يده على سطحها.
بلع خالد ريقه: “لا أتوقع أن تسامحني اليوم.”
تأخر الأب في الرد ثم قال:
— يمكنني أن أستمر في حبك، دون أن أسمح لك بإيذائي مجدداً.
هز خالد رأسه موافقاً.
لم يكن هناك عناق، لكن الباب لم يُغلق في وجهه للأبد. ومن يومها بدأ يعيد الأموال تدريجياً، وتحمل مسؤولياته، وأوجد عملاً جديداً بعيداً عن العائلة. ولأول مرة، لم يبع أبو فيصل شيئاً ليخلصه.
عادت أم فيصل لتدعو أم فهد للقهوة، ولم يعد الباب الرئيسي مغلقاً، وعادت الصور إلى الجدران.
وكل يوم جمعة، سواء كان فيصل في دبي أو في أي مكان آخر، كان يفرغ ساعة كاملة للحديث مع والديه دون العمل أو الاجتماعات أو العجلة.
وبعد عدة أشهر، في يوم ممطر، وصل للبيت دون إبلاغهم.
وجد أبا فيصل عند النافذة يصلح درجاً، وأم فيصل تضحك لأنه يصر على أنه لا توجد قطعة خشب ميؤوس منها إن وجد الصبر.
كان البيت هو نفسه، لم يكبر ولم يصبح أكثر فخامة، لكنه استعاد شيئاً لا يمكن لأي صك كتابته: كرامة أهله.