عودة من أجل الأهل – محمد نور

استقر المفتاح الصدئ في القفل.

لم يكن داخلها مال.

كان هناك ما هو أخطر بكثير:

صك الملكية الأصلي للبيت، إيصالات الترميم، عقود قديمة، خطابات البنك، وثائق بيع الأرض التي ضحى بها أبو فيصل لإنقاذ خالد، وعشرات الإيصالات للتحويلات. كانت أم فيصل تنظر إلى كل ورقة وكأنها ترى، مرتبة بالتاريخ، السنوات التي تنازلا فيها عن حياتهما الخاصة لدعم أحد أبنائهما.

ثم وجد فيصل تفويضاً لإدارة الأملاك مؤرخاً قبل 8 أشهر.

كان يتيح لخالد التصرف باسم أمه وأبيه في عمليات معينة، ويمنحه الصلاحية للحسابات المرتبطة بالبيت.

في الأسفل، كان هناك توقيع.

— يا أبي، هل هذا توقيعك؟

نظر الأب إليه لعدة ثوانٍ:

— يشبهه.

— لم أسألك إن كان يشبهه.

رفع العجوز عينيه:

— ليس توقيعي.

كانت أم فيصل تضع يدها على فمها ودموعها تسيل.

كان أبو فيصل يوقع الأوراق منذ أكثر من 50 عاماً؛ يعرف موضع ضغطه على القلم، وكيف ينهي الحرف الاخير، والرجفة الخفيفة التي أصابته بعد إصابة معصمه. كان التوقيع يحاكي الشكل العام، لكنه كان أملسَ وأكثر إتقاناً مما ينبغي.

صوّر فيصل كل شيء واتصل بمحاميه “عبد الرحمن”.

كان عبد الرحمن حاسماً: لا يجوز مواجهة نورة الآن؛ إن شعرت بالخطر فستتلف الوثائق، أو تنقل الأموال، أو تختلق تفسيرات جديدة.

كان ذلك أصعب اختبار لفيصل: العودة إلى المجلس، والجلوس أمام المرأة التي سلب أمه مفاتيحها، والتظاهر بالجهل.

لمدة يومين تصرف كابن مشغول جاء للزيارة فقط، بل وأثنى على نورة:

— الحمد لله أنكما هنا، أنا من دبي لا أستطيع متابعة هذه الأمور.

وقعت في الفخ، وبدأت تتحدث بفخر عن الحسابات والمصروفات و”القرارات المسؤولة”، مكررة أن أبا فيصل يخلط بين التواريخ وأن أم فيصل توترها الأمور البنكية.

وقالت: “في سن معينة، الراحة والأمان أهم من الاستقلالية.”

أطرق أبو فيصل رأسه، وضغطت الأم بإصبعها على الفنجان.

ابتسم فيصل وقال: “أظن أنكِ على حق.”

في المساء نفسه، أخرجت نورة ملفاً:

— بما أنك هنا، لننهِ هذا الأمر.

كان بالداخل مستند جديد؛ يقر فيه فيصل رسمياً بأن خالد هو الشخص المناسب لإدارة جميع الشؤون المالية لوالديه.

كانت تبدو كمعاملة عائلية روتينية، لكن المحامي عبد الرحمن اكتشف أن بعض البنود يمكن أن تتحول لاحقاً إلى إثبات موافقة قانونية تامة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *