صحفية استقصائية – محمد نور
فأدارت “كاريمة” وجهها بعيداً.
في النهاية، اعترف “عاطف” ببعض التهم وتعاون مع المحققين للحصول على تخفيف للحكم، وكشف عن أسماء سماسرة آخرين. وصدمت “كاريمة” منه ووصفته بالجبان، فلم يرد عليها.
وصدر الحكم بإدانتهما معاً، إلى جانب السماسرة والأطراف الأخرى المشاركة. وصودرت عدة أصول وممتلكات لتغطية التعويضات للضحايا.
وظلت فيلا الزمالك فارغة لأشهر… لم تعد تصلها الزهور الفواحة، وأُطفئت أنوارها، وبورتريه “كاريمة” الضخم الذي كان يعلو مكتبها انتهى به المطاف في قائمة الممتلكات المتحفظ عليها.
لكن بالنسبة لي، لم تكن النهاية الحقيقية في ساحة المحكمة.
بعد ستة أشهر، زرتُ “أمينة”.
كانت قد استأجرت مشغلاً صغيراً في حي “الظاهر” وفتحت دكاناً للخياطة.
وعلى إحدى الطاولات، أقمشة زاهية، وماكينة خياطة جديدة، وصورة لابنتها.
– «لم نتحدث لـ أربعة عشر شهراً» – قالت لي وهي تمسح دمعة ابتسامة – «الآن تتصل بي كثيراً حتى أنني أطلب منها أحياناً أن تدعني أعمل!»
أما “دعاء”، فقد بدأت جلسات العلاج النفسي ثم التحقت بالدراسة في مجال الخدمة الاجتماعية.
وعادت سعاد لبعض الوقت إلى عائلتها، ثم انضمت لاحقاً إلى جمعية توعوية تساعد العاملات على فهم حقوقهن وعقود عملهن وكيفية الإبلاغ عن الانتهاكات بأمان.
عدتُ أنا إلى صالة التحرير.
ولأسابيع، كان الجميع يسألني عن المشاهد ذاتها: الصفعة، العصير، والحفل.
لكن حين كنتُ أُستضاف في البرامج الفضائية، كنتُ أحاول دوماً التحدث عن شيء آخر.
لأنني عشتُ في ذلك القصر شهرين وأنا أعلم أن لي مخرجاً في النهاية… أما “أمينة” و”دعاء” و”سعاد”، فلم يكنّ يعلمن ذلك. وهذا ما يغفله الناس.
في أحد الأيام، عثرتُ على الخرقة القديمة التي ألقتها عليّ “كاريمة” حين أخبرتني أنني سأكون أضحوكة الحفل.
لم أنتبه أنني احتفظتُ بها، لكنني وضعتها على مكتبي.
سألني رئيس التحرير:
– «لماذا تحتفظين بها؟»
فأجبتُه:
– «كي أتذكر دوماً كم هو سهلٌ على البعض أن يخلطوا بين الصمت والضعف.»
كانت “كاريمة” مقتنعة بأن المرأة التي تمسح بلاطها عاجزة عن فهم أوراقها، وظنت أن من تقول «حاضر يا سيدتي» لا تملك صوتاً، وأن زيّ الخدم هو ما يحدد من يستحق الاحترام ومن لا يستحقه.
وكان هذا خطأها الفادح.
فالكرامة لا تُقاس بالحساب البنكي، ولا باسم العائلة، ولا بالحي الذي تسكنه، ولا بنوع العمل الذي تزاوله.