صحفية استقصائية – محمد نور

سُحب هاتف “أمينة” منذ اليوم الأول.

أما “دعاء”، فقد اقتُطع جزءٌ من راتبها بحجة تغطية «رسوم الوساطة».

لم يكن بمقدور أي منهنّ مغادرة القصر بمفردها.

أما أنا، فكنتُ أراقب.

وأوثّق كل شيء.

فبالرغم من أن اسمي الحقيقي كان بالفعل مريم، إلا أن عملي لم تكن له أي علاقة بتنظيف الحمامات.

كنتُ صحفية استقصائية في صحيفة «الجريدة الوطنية»، وأعمل منذ اثني عشر عاماً على كشف شبكات الفساد، وغسيل الأموال، واستغلال العمالة.

قبل شهرين، تلقت صحيفتنا بلاغاً غير موقّع عن مكتب توظيف يُدعى «الخيرة للخدمات».

كانوا يستقطبون النساء من القرى النائية بوعود برواتب مجزية في منازل العائلات الثرية.

ثم تبدأ التهديدات.

تُسحب وثائقهنّ.

تُفرَض عليهن ديونٌ وهمية.

تُقتطع أموالٌ بحجة الطعام، والتنقل، والإقامة.

وإذا حاولت إحداهنّ الهرب، هُدِّدت بتقديم بلاغٍ ضدها بتهمة السرقة.

وفي كل شهادة، كان الاسم نفسه يتردد مراراً وتكراراً:

كاريمة الجابري.

لهذا السبب توغلتُ في منزلها بهوية مزيفة، وحملتُ كاميرا دقيقة متناهية الصغر مدمجة في أحد أزرار زيّ الخدم.

على مدار ستة وخمسين يوماً، سجلتُ محادثات، وإيصالات، وتهديدات، ومدفوعات.

ثم وفي أحد الأيام، عثرتُ على ما هو أسوأ بكثير.

تركت “كاريمة” باب مكتبها مفتوحاً.

على المكتب كان يربض مِلفٌّ بني اللون.

ضمّ المِلفُّ أسماء سبع وثلاثين امرأة.

وبجوار كل اسم، كُتب مبلغٌ مالِيّ.

«تم توظيفها.»

«تم تسليمها.»

«مثيرة للمشاكل.»

«تم نقلها.»

عناوين تتوزع بين “التجمع الخامس”، و”الشيخ زايد”، و”الإسكندرية”، و”الساحل الشمالي”.

وفي الصفحة الأخيرة، كان المجموع يتجاوز ستة وعشرين مليون جنيه.

ثم وقعت عيناي على اسمٍ كُتب بالحبر الأحمر:

سعاد حسن، 24 سنة.

وتحته كُتب:

لم تتعاون. تم استبعادها.

لا يوجد عنوانٌ جديد.

ولا توقيع.

لا شيء.

صورتُ كل صفحةٍ بعناية، ثم أعدتُ المِلفّ إلى موضعه بدقة.

في المساء نفسه، استدعتني “كاريمة” إلى الممر.

– «هل دخلتِ إلى مكتبي؟»

– «نعم يا سيدتي، كنت أُنظّف.»

تغيرت نبرة عينيكِ فجأة.

– «هل لمستِ مكتبي؟»

– «لا يا سيدتي.»

اقتربت مني حتى كادت أنفاسها تلامس وجهي.

وفجأة، ودون سابق إنذار، صفعتني على وجهي صفعةً قوية.

شاهدت “أمينة” الموقف من المطبخ.

وركزت “دعاء” بنظراتٍ مذعورة وهي تركض نحو الممر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *