صحفية استقصائية – محمد نور

كثيرات منهن وافقن على العمل بملء إرادتهن، لكن المصيدة كانت تغلق عليهن لاحقاً: سلفيات مالية، رسوم باهظة غير منطقية، سحب للأوراق، وتهديد بالملاحقة القانونية. وحين تطلب عائلة استبدال الخادمة، ينقلها المكتب لمنزل آخر ليقبض رسوم دلالة جديدة.

كانت “كاريمة” تجني النسب، و”عاطف” يدير الحسابات، بينما يجوب السماسرة القرى النائية بحثاً عن الفتيات.

لم تكن الشبكة تنظيماً إجرامياً في أدباء الخفاء، بل كانت تعمل داخل أعتى القصور والأحياء الراقية، وعلى مرأى من جيران لم يسألوا أنفسهم يوماً: لماذا تدخل هؤلاء العاملات القصر ولا يخرجن منه بمفردهن أبدًا؟

نُشر تقريري الصحفي بعد ثلاثة أيام.

ولم نضع صورة العصير المسكوب كغلاف للتقرير؛ فقد أصررتُ على ذلك. أرادت “كاريمة” أن تكون تلك الصورة إهانة لي، فلم أسمح لها بأن تجعلها مادة لإبراز اسمها.

بدلاً من ذلك، نشرنا أسماء وشهادات النساء اللاتي تجرأن على الكلام.

تحدثت “أمينة” كيف جاءت إلى العاصمة على أمل العمل ثماني ساعات يومياً، ليُسحب هاتفها في اليوم الثاني ويُقال لها إنها مدينة بـ ثلاثين ألف جنيه لقاء خدمات التوظيف والنقل، وظلت الديون تزداد بدلاً من أن تنقص.

أما “دعاء”، فحكت قصتها الأكثر إيلاماً؛ حين حاولت الخروج من باب الخدم ذات مرة، فاعترض سائق “كاريمة” طريقها، ولم يضربها، بل أراها صورة لمنزل والدتها في القرية وقال لها: «لا تفعلي شيئاً أحمق.» ومن يومها كانت تتملكها الرعدة كلما أُغلق باب بقوة.

استمرت المحاكمة زهاء عام.

استعانت “كاريمة” بكبار المحامين الذين ادعوا أن العاملات كنّ يستطعن المغادرة في أي وقت.

لكن النيابة قدمت الرسائل النصية التي تأمر فيها بتجميد الأوراق، وقدمت التحويلات المالية، والتسجيلات الصوتية، والقائمة المكتوبة في مكتبها. كما سجلت كاميرتي الصفعة، والتهديدات، ولحظة تحطيم هاتفي.

وقدمت النيابة شيئاً لم أكن أعلمه أنا نفسي: فقد احتفظت “أمينة” لأشهر بقطع ورقية صغيرة سجلت عليها التواريخ والمبالغ المقتطعة، وخبأتها خلف بطانة صندوق حياكة قديم. وقالت في شهادتها: «كنتُ أقول لنفسي لعل أحداً يصدقني يوماً ما.»

وساد الصمت القاعة بأكملها.

شهدت سعاد أيضاً، ونظرت نحو “كاريمة” مباشرة وقالت:

– «لم يكن تنظيف بيتك هو الأسوأ، فقد عملتُ طوال حياتي… الأسوأ هو أنكِ جعلتِني أؤمن بأن أحداً لن يبالي إذا اختفيتُ تماماً.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *