مقيمة زوجي – محمد نور
مُقيمة زوجي طردتني من مطعم المستشفى دون أن تعلم أنني المديرة العامة الجديدة
أردتُ فقط تناول غداء هادئ ومراقبة سير العمل في مستشفاي الجديد دون أن يعرف أحد من أكون. لكن قبل أن أتناول أول لقمة، ضربت فتاة برداء طبي أبيض بصينيتها على طاولتي.
— “من أين خرجتِ أنتِ؟ هل أنتِ من أقارب أحد المرضى؟ هذه الطاولة ليست لأي شخص.”
كان مطعم مستشفى “مار إفرام” مكتظاً، ومع ذلك ساد المكان صمت غريب فجأة.
رفعتُ بصري، فإذا بامرأة في الثلاثينات من عمرها، شعرها ملموم بإتقان، ورداؤها الطبّي في غاية الترتيب، وتضع بطاقة هويّة كُتب عليها: د. سارة الشيخ — جراحة العظام.
تساءلتُ: “ومنذ متى أصبحت طاولات المطعم مملوكة لأحد؟”
تجهم وجهها وقالت: “منذ أن عرف البعض قدرهم ومكانتهم.”
في الطاولة المجاورة، أطرقت ممرضتان بنظريهما، وتظاهر جراح بالانشغال بهاتفه، بينما توقفت موظفة إدارية عن شرب الماء. لم يبدُ الذهول على أحد، وهذا أكثر ما أزعجني.
في صباح ذلك اليوم، وصلتُ إلى المستشفى بصفتي المديرة العامة الجديدة. كان مجلس الإدارة قد تعاقد معي بعد تدقيق داخلي كشف عن تجاوزات، وشكاوى تم طمسها، ومعدل دوران غير طبيعي للموظفين. كان من المقرر إقامة حفل تعريفي بي في بعد الظهر، وحتى ذلك الحين لم يكن أحد يعرف وجهي.
قررتُ استغلال الوضع، فدخلتُ بلا مساعد، ولا موكّب، ولا بطاقة اسم. أردت رؤية المستشفى كما يراه أي موظف عادي، وها أنا أراه الآن.
أمرتني سارة: “قومي من مكانك، هذه الطاولة حجْزٌ خاص.”
— “لمن؟”
ارتسمت ابتسامة على شفتيها وقالت: “لشخص ذي شأن هنا.”
— “أريني إذاً أين كُتب أن هذا الكرسي ملكٌ لكِ.”
مال حكيم مسنّ نحوي وقال بصوت خفيض: “يا سيدتي، الأفضل أن تنتقلي إلى طاولة أخرى، الأمر لا يستحق.”
وهسست ممرضة: “الوضع هنا هكذا دائماً.”
تلك الجملة آلمتني أكثر من الإهانة نفسها. الوضع هكذا دائماً. لم يكونوا يشهدون موقفا استثنائياً، بل يمارسون عادة متأصلة.
سألتُ: “ومنذ متى وهذا الوضع القائم؟”
لم يجِب أحد، فضحكت سارة بسخرية: “لا تعيشي دور البطولة. هذه الطاولة للدكتور طارق التميمي، وأنا أحجزها له كل يوم.”
شعرتُ بضيق يعصر صدري. طارق التميمي… رئيس قسم جراحة العظام، وزوجي منذ تسع سنوات.
نظرتُ إلى سارة بتمعن أكثر: ثقتها، الطريقة التي تنطق بها اسم طارق، يقينها بأنها محمية… ورأيت شيئاً آخر. تحت ياقة ردائها الطبّي، كانت تبرز سلسلة فضية ناعمة فيها قلادة صغيرة على شكل بوصلة.