مقيمة زوجي – محمد نور
توقف نفسي لبرهة. أنا أعرف تلك القلادة؛ أهديتها لطارق في عيد زواجنا الخامس، وقبل عام أخبرني أنه فقدها أثناء مؤتمر طبي.
قالت سارة: “فرصتكِ الأخيرة، قومي قبل أن أدعو الأمن.”
وضعتُ الكأس على الطاولة وقلتُ: “لا.”
تلاشت ابتسامتها وقالت: “من تظنين نفسكِ؟”
وفجأة جاء صوت رجل من خلفها: “سارة، يكفي!”
دخل طارق المطعم شاحب الوجه. لم يمشِ نحوها، بل أسرع خطاه.
ابتسمت سارة فوراً: “دكتور طارق، جيد أنك وصلت! هذه المرأة جلست على طاولتك وترفض…”
أمسكها طارق من ذراعها قاطعاً كلامها: “لا تنطقي بكلمة أخرى!”
قطبت حاجبيها بدهشة: “ماذا هناك؟”
لم يرمش لطارق جفن وهو ينظر إليّ، وما رأيته في وجهه لم يكن مفاجأة، بل كان ذعراً خاضعاً.
سألت سارة: “من هذه؟”
ابتلع طارق ريقه، وعندما أجاب خفض صوته، لكن الصمت كان أعمق من أن يخفي كلماته: “إنها دكتورة مريم الراوي.”
لم تفهم سارة بعد: “وماذا في ذلك؟”
أغمض طارق عينيه لبرهة وقال: “المديرة العامة الجديدة للمستشفى.”
شحب وجه سارة تماماً وتلاشى منه كل لون.
وقفتُ من مقعدي، ونظرتُ إلى الأطباء والممرضين والموظفين الذين تعلموا لسنوات أن البقاء يتطلب الصمت. ثم نظرتُ إلى زوجي، وأخيراً أشرتُ إلى القلادة المتدلية من عنق سارة.
قلتُ: “ممتاز، يمكننا إذاً أن نبدأ يومي الأول باجتماع.”
تراجعت سارة خطوة إلى الخلف: “حضرة المديرة، أستطيع أن أشرح لكِ…”
— “أنا متأكدة من ذلك.”
أشرتُ مجدداً إلى القلادة: “ولكن أولاً يا دكتورة سارة، أريدكِ أن تشرحي لي شيئاً أبسط بكثير.”
أطرق طارق رأسه إلى الأسفل، فيما قبضت سارة على القلادة بغريزة لا إرادية.
سألتها: “من أين حصلتِ على هذه القلادة؟”
لم يتكلم أحد.
أضفتُ: “لأنها ملكٌ لزوجي.”
نظرت سارة إلى طارق، وكانت تلك النظرة كافية للإجابة قبل أن تتكلم شفتاها.
لكن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد. فعندما وصل أفراد الأمن لمرافقتهما إلى مكتبي، اقتربت مني ممرضة بخطى خفيفة وهي ترتجف، ودست في يدي وحدة ذاكرة (USB) وهسست: “حضرة المديرة مريم… إن كنتِ تريدين بحق معرفة ما يجري في هذا المستشفى، فلا تحققي في أمر القلادة فحسب.”
نظرتُ إلى القطعة الصغيرة وسألتها: “ماذا تضم؟”
نظرت الممرضة إلى طارق، ثم إلى سارة، وأجابت: “السبب الذي أُجبر لأجله ثلاثة أطباء مقيمين على الاستقالة… والسبب الذي أدى إلى وفاة مريض قبل ستة أشهر.”