مقيمة زوجي – محمد نور
في الليلة نفسها، لحق بي طارق إلى الفندق الذي نزلتُ فيه. اعترف بجهلٍ وذعر بأنه تأخر عن المريض لأنه كان يتجادل مع سارة التي كانت ثملة، وأنه طلب منها “توضيح” السجلات وليس تزويرها!
ثم عندما سألته عن القلادة، قال ببلادة: “لم أفكر…”
كانت تلك الجملة أشد إيلاماً؛ لم يفكر بي، ولا بزواجنا، ولا بأرواح المرضى.
في الأيام التالية، فتحتُ باب البلاغات السرية، فتلقيت أكثر من ستين شكوى تكشف شبكة من الاستبداد والابتزاز.
ثم جاءت المفاجأة؛ طلبت سارة مقابلتي وقدمت تسجيلات ومعلومات تثبت أن طارق والمدير الطبي محمود الخولي يغطون على بعضهما بسبب اختلاسات وفواتير وهمية مع شركات استشارية خاصة!
بل وكشفت أن طارق كان يعلم بهويتي قبل الإعلان الرسمي، وحاول تحريض مجلس الإدارة لمنع تعييني خوفاً من فتح الملفات القديمة!
استمرت التحقيقات المستقلة ثلاثة أشهر كاملة.
تُمكّن من تبرئة المستشفى أخلاقياً؛ أُعيدت الصياغة الرسمية لملف الدكتورة ميار الفارس مع كتاب اعتذار رسمي ورد اعتبار، وأُرسلت التقارير المالية لجهات التحقيق الرسمية.
أما سارة، فقد أُقيلت بسبب ممارساتها التعسفية وتزوير المستندات، وتواجه الملاحقة المسلكية والقانونية.
استقال المدير الطبي محمود الخولي، وتنحى رئيس المجلس لاحقاً.
أما طارق… فقد أُنهيت خدماته تماماً وسُحبت منه صلاحياته.
التقيتُ به للمرة الأخيرة في مقهى هادئ على كورنيش النهر للتوقيع على أوراق الطلاق.
كان يبدو أكبر بعشر سنوات. قال لي والكسرة تملأ صوته: “خسرتُ كل شيء… عملي، سمعتي، وزواجي.”
رددتُ عليه: “أنت لم تخسرها يا طارق، أنت راهنتَ بها.”
اعترف أخيراً بأنه ظن نفسه فوق القوانين والمساءلة، وأن غروره يعميه.
أخرجتُ القلادة الفضية ذات البوصلة ووضعتها أمامه: “خذها… هديتي لك السابقة انتهت هنا.”
ورحلتُ دون أن ألتفت خلفي.
بعد مرور عام كامل، تغير وجه المستشفى تماماً.
أنشأنا نظاماً صارماً ومستقلاً لتلقي الشكاوى، وألغينا التقييمات الفردية المطلقة، وأكدنا على مبدأ احترام الجميع دون اعتبار للمسمى الوظيفي.
دخلتُ المطعم مجدداً في أحد الأيام دون بطاقة تعريفية. كانت الطاولات ممتلئة، فجلستُ إلى طاولة تضم عاملة نظافة بسيطة. بعد قليل، جاء طبيب واستأذن بأدب ليجلس على الكرسي الفارغ دون أن ينظر بعلوٍّ إلى زي العاملة أو يسأل عن قيمتها.